تعامل مع الفرق الضالة
السؤال: كيف أتعامل مع الفرق الضالة؟ هل أقاطعهم، فلا أكلمهم ولا ألتقي بهم ولا أسلّم عليهم إذا كنت لا أستطيع أن أدعوهم إلى الحق؟ أو كيف أتعامل معهم؟
ملخص الجواب:
الأصلُ في التَّعامُلِ مع أهلِ البِدَعِ والضَّلالِ: التَّفريقُ بين الأحوال؛ فَمَن قَدَرَ على نُصْحِهِ ودَعْوَتِهِ فَيُخالِطُهُ بالحِكْمَةِ، ومَن خَشِيَ على نَفْسِهِ الضَّرَرَ في الدِّينِ وَلَم يَقْدِرْ على الدَّعْوَةِ فَيَهْجُرُهُ هَجْرًا شَرْعِيًّا، مع بقاءِ العَدْلِ وحُسْنِ الخُلُقِ، ويُسَلِّمُ عند الحاجةِ ولا يُوالِيهم على باطِلِهم.
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
من القرآن الكريم:
- [النحل: 125]
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾
- [الأنعام: 68]
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾
فَجَمَعَتِ الآيَتَانِ بَيْنَ الدَّعْوَةِ بِالحِكْمَةِ، وَالإِعْرَاضِ عِنْدَ العَجْزِ أَوِ الضَّرَرِ.
من السنة النبوية:
- رَوَاهُ مُسْلِمٌ)قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ…»
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّدَرُّجِ: بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إِلَى الأَخَفِّ.
من أقوال العلماء:
- قَالَ ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ:
«الهَجْرُ شَرْعٌ مَقْصُودُهُ زَجْرُ المَهْجُورِ، فَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ لَمْ يُشْرَعْ». وَقَالَ ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ: «الهَجْرُ دَوَاءٌ، يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى المَصْلَحَةِ». وَقَالَ الإمام أحمد بن حنبل رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَهْلُ البِدَعِ يُهْجَرُونَ، إِلَّا إِذَا خِيفَ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ».
ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ الأَمْرُ بِهِجْرِ أَهْلِ البِدَعِ وَتَرْكِ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ؛ صِيَانَةً لِلدِّينِ وَسَدًّا لِبَابِ الفِتْنَةِ، مَعَ التَّنْبِيهِ أَنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ المَفْسَدَةِ.
من السلف الصالح:
- مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
قَالَ عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مَرَضٌ لِلْقُلُوبِ». وَقَالَ عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ البِدَعِ، فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَّةِ». وَقَالَ محمد بن سيرين رَحِمَهُ اللَّهُ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الأَهْوَاءِ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ». قَالَ الإمام مالك بن أنس رَحِمَهُ اللَّهُ: «لَا يُجَالِسُ أَهْلَ الأَهْوَاءِ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ». وَقَالَ الإمام أحمد بن حنبل رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَهْلُ البِدَعِ لَا يُجَالَسُونَ وَلَا يُكَلَّمُونَ». وَقَالَ سفيان الثوري رَحِمَهُ اللَّهُ: «مَنْ سَمِعَ بِبِدْعَةٍ فَلَا يَحْكِهَا لِجُلَسَائِهِ؛ لَا يُلْقِي فِي قُلُوبِهِمْ شُبْهَةً». وَقَالَ الأوزاعي رَحِمَهُ اللَّهُ: «اصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى السُّنَّةِ، وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ القَوْمُ… وَإِيَّاكَ وَآرَاءَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهَا لَكَ بِالقَوْلِ».
: التَّعْلِيلُ عِنْدَ السَّلَفِ • خَوْفُ الفِتْنَةِ وَالشُّبُهَاتِ. • حِفْظُ الدِّينِ وَالسُّنَّةِ. • زَجْرُ أَهْلِ البِدَعِ وَرَدْعُهُمْ. رَابِعًا: ضَابِطٌ مُهِمٌّ (مِنْ كَلَامِ أَهْلِ العِلْمِ) قَالَ ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ: «الهَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَحْوَالِ… فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ شُرِعَ، وَإِلَّا فَلَا». خامسًا: تَفْصِيلُ الحُكْمِ وَالتَّطْبِيقُ: • إِذَا كُنْتَ قَادِرًا عَلَى الدَّعْوَةِ • تُخالِطُهُمْ لِلدَّعْوَةِ وَالنُّصْحِ. • بِرِفْقٍ وَعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ. • مَعَ الحَذَرِ مِنَ التَّأَثُّرِ بِهِمْ. • إِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الدَّعْوَةِ وَتَخْشَى عَلَى نَفْسِكَ • تُقَلِّلُ المُخالَطَةَ. • وَتَهْجُرُهُمْ هَجْرًا يُحَقِّقُ السَّلَامَةَ لِدِينِكَ. • وَلَا تُجَالِسُهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ. • هَلْ يُقْطَعُ السَّلَامُ كُلِّيًّا؟ • الأَصْلُ: يُسَلَّمُ عَلَى المُسْلِمِ. • وَيُتْرَكُ السَّلَامُ أَحْيَانًا إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ (كالرَّدْعِ). • وَيُنْظَرُ فِي المَصْلَحَةِ وَالمَفْسَدَةِ. دَلَّتْ أَقْوَالُ السَّلَفِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مُقَاطَعَةِ أَهْلِ البِدَعِ وَهَجْرِهِمْ وَتَرْكِ مُجَالَسَتِهِمْ؛ حِفْظًا لِلدِّينِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِالمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَمَتَى تَحَقَّقَتِ المَصْلَحَةُ شُرِعَ الهَجْرُ، وَإِلَّا فَيُتْرَكُ. ضَوَابِطُ مُهِمَّةٌ: • لَا ظُلْمَ وَلَا بَغْيَ. • لَا سُخْرِيَةَ وَلَا فُحْشَ. • يُبْغَضُ البَاطِلُ وَيُرْجَى لِصَاحِبِهِ الهِدَايَةُ. تَتَعَامَلُ مَعَ أَهْلِ البِدَعِ بِحَسَبِ الحَالِ: فَإِنْ قَدَرْتَ عَلَى دَعْوَتِهِمْ دَعَوْتَهُمْ، وَإِنْ خِفْتَ عَلَى نَفْسِكَ هَجَرْتَهُمْ هَجْرًا شَرْعِيًّا، مَعَ مُرَاعَاةِ المَصْلَحَةِ وَالمَفْسَدَةِ، وَلَا يَلْزَمُ القَطْعُ المُطْلَقُ فِي كُلِّ حَالٍ، بَلِ الحِكْمَةُ هِيَ الأَصْلُ.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة