الإجازة العلمية وأهميتها

السؤال: هل يحتاج العالِم إلى إجازة لنأخذ منه العلم؟ وما الجواب على من يقول إن الإمام الألباني لم تكن لديه إجازة، فلا ينبغي أن نأخذ العلم منه؟

ملخص الجواب:

الإجازة العلمية ضرورة روحية وعلمية في تعليم وتعلّم العلوم الشرعية المباركة، والعلم دِين، وهو مبني على الإسناد؛ ولذا ينبغي للمسلم أنْ يعرف من أين يأخذ دينه ولا بأس أنْ يتأكّد طالب العلم من صحّة الإجازة العلمية للشيخ دون أنْ يُسيء الأدب معه، وذلك بالتأكّد من الأشخاص الذين حضروا منحها له من قبل أستاذه؛ فهذه سُنّة الإجازات في ثقافة المسلمين، إذ إنّ الشيخ المجاز يمنح الإجازة بخط يده لمستحقها في محفل من العلماء والناس تكريما وتعظيما لهذه الشعيرة المباركة

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

" الإجازة " مصطلح علمي ابتكره علماء الإسلام في بداية عصور الرواية ، كان يهدف إلى توثيق العلوم المتمثلة في ذلك الوقت بالقرآن الكريم ومرويات السنة المطهرة ، يحصل من خلالها الباحث على حق الرواية ، أي الإذن في الرواية والمشاركة في الساحة العلمية ، فمن نال إجازة في تلاوة القرآن الكريم أو رواية حديث أو كتاب فقد دخل صرح

العلوم الشرعية ، ونال الإذن في المساهمة في نقل العلم ونشره بين الناس

ولكن لم يرتبط ذلك بوجه من الوجوه ببيان مدى أعلمية المُجاز وأحقيته في المشاركة في العلم والمعرفة ، فالإجازة مَكسب يمكن أن يناله كل أحد ، ولكن هل يقبل أداؤه بعد ذلك أو لا يقبل ، فذلك شأن آخر تشدد فيه العلماء كثيرا ، وأقاموا لأجله الموازين العادلة التي يميَّز فيها العالِم الحق عن الدعي الدخيل الذي نال حق الإجازة عن غير جدارة ولا استحقاق ، فليس كل مُجاز أهل لتأدية العلم الذي يحمله

من السنة النبوية:

  • الترمذي (2656) وقال: حديث حسن . وصححه الألباني في " صحيح الترمذيوقد قال عليه الصلاة والسلام
    ( فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ )

    وقد اتخذت الإجازة أوجها متعددة عبر تاريخ الحضارة الإسلامية ، تنحو في بعض الأحيان إلى التشدد ، وفي أحيان أخرى إلى التساهل بدءًا من " مناولة الشيخ للتلميذ بعض حديثه مكتوباً ، وإذنه له في روايته عنه ، وهذه أعلى صور الإجازة ؛ لما اشتملت عليه من مزيد التوثق

من أقوال العلماء:

  • لذلك قال القاضي عياض
    هي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين

    ومرورا بمنح الإجازة في تلاوة القرآن الكريم ، وإقرائه للناس مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل ، عن رب العزة جل وعلا ، وكذلك ومنح الإجازة المكتوبة في الإفتاء والتدريس

  • كتلك التي نقلها القلقشندي (ت821هـ) موقَّعةً من شيخه ابن الملقن ، وفيها
    أذن وأجاز لفلان المسمّى فيه ، أدام الله تعالى معاليه ، أن يدرّس مذهب الإمام الشافعيّ ، وأن يقرأ ما شاء من الكتب المصنّفة فيه ، وأن يفيد ذلك لطالبيه ، حيث حلّ وأقام ، كيف ما شاء متى شاء وأين شاء ، وأن يفتي من قصد استفتاءه خطّا ولفظا ، على مقتضى مذهبه الشريف المشار إليه ، لعلمه وديانته وأمانته ، ومعرفته ودرايته ، وأهليّته لذلك وكفايته . فليتلقّ - أيده الله تعالى - هذه الحلّة الشريفة ، وليترقّ بفضل الله تعالى ذروة هذه المرتبة المنيفة ، وليعلم قدر ما أنعم الله تعالى عليه ، وأسدى من الإحسان الوافر إليه ، وليراقبه مراقبة من يعلم اطّلاعه على خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وليعامله معاملة من يتحقّق أنه يعلم ما يخفيه العبد وما يبديه في الورود والصّدور ، ولا يستنكف أن يقول فيما لا يعلم : لا أعلم " انتهى من " صبح الأعشى (14/367)

    فانظر كيف أصبحت الإجازة ههنا شهادة مرسومة تأذن لحاملها بالتدريس العام والإفتاء

ثم دخلت الإجازة كثيرا من العلوم الطبيعية والتجريبية ، كما جاء في " عيون الأنباء في طبقات الأطباء " (ص/302) قوله : " لما كان في سنة تسع عشرة وثلاثمائة اتصل بالمقتدر أن غلطا جرى على رجل من العامة من بعض المتطبِّبين ، فمات الرجل ، فأمر بمنع سائر المتطبِّبين من التصرف إلا من امتحنه سنان بن ثابت ، وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له من الصناعة ، فصاروا إليه وامتحنهم ، وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه ، وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجل ونيفا وستين رجلا ، سوى من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته ، وسوى من كان في خدمة السلطان " انتهى وهكذا تطور مفهوم الإجازة من صورته الفردة المقتصرة على الإذن برواية بعض الأخبار إلى كونها شهادة معتمدة من جهة ذات مصداقية في علم من العلوم ، تظهر قدرة حاملها على الأداء العلمي المتقن في مجال تخصصه ثم تطورت في عصورنا المتأخرة إلى مئات الأنواع بحسب تخصصاتها والجهات المشرفة عليها والسنوات المبذولة فيها والمستويات المندرجة تحتها وغير ذلك من الاعتبارات. وهذا النوع من " الإجازات " هو الذي ينبغي الاهتمام به والتفتيش عنه ، الإجازات التي تنظمها القوانين والأنظمة المنضبطة ، وتشرف عليها جهات معتمدة ذات مصداقية عالية في تخصصها وأمانتها وسمعتها بين الناس ، كالجامعات المرموقة ، والمعاهد المختصة ، والمراكز العالمية ، ونحوها من المؤسسات الشرعية وغير الشرعية ، أو أفراد العلماء والمشايخ الذين يتثبتون فيما يمنحون من إجازات وشهادات ، المهم أن تُثبت الإجازة لحاملها أنه ترقَّى في تحصيل العلم بين يدي أهله المختصين فيه ، ضمن أنظمة رقابية تضمن تحقق الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة أما الإجازات التي اشتهرت لدى بعض المشتغلين بالعلوم الشرعية ، خاصة في علوم الحديث منها ، التي يتم فيها منح حق الرواية والتدريس من غير تثبت من أهلية المجاز وتمكنه مما أجيز به ، فهي من الصور الضعيفة التي لا ينبغي التعويل عليها في توثيق حاملها والأخذ عنه ، سوى التبرك برسم الإسناد الذي هو حبل هذه الأمة الممدود عبر القرون

من أقوال العلماء:

  • تحرير علوم الحديث " (1/152-153
    يقول الشيخ عبدالله الجديع : " توسع فيها المتأخرون ، وزادوا في أنواعها ، وأدخلوا فيها صوراً منكرة ، شبيهاً بما أدركناه اليوم من طائفة يقتني أحدهم كراساً جمع فيه له أو جمع لنفسه أسماء مصنفات عدة ، كالصحيحين والسنن ، له بمضمون ذلك الكراس إجازة من شيخ له ، أن يروي تلك الكتب عنه ، وذلك بإسناد لذلك الشيخ عن شيخ له ، ويقع في السلسلة من هو معروف من علماء المتأخرين بالإسناد ، ينتهي الإسناد إلى إمام من الأئمة الحديث ، كالحافظ ابن حجر أو غيره ، ومنه إلى الأئمة المصنفين لتلك الكتب . والعيب في هذه الإجازات أن الطالب يجاز بمجرد أسماء لكتب ، لا يجاز بمضمون ، بل من هؤلاء المجازين من لم يطلع على مضمون ، ولم ير الكتاب الذي أجيزت له روايته عمره ، خصوصاً بعض الأجزاء الحديثية التي هي في عداد المفقود ، فعجبا لأحدهم يقول بعد ذلك : لدي برواية صحيح البخاري إجازة ، وأنا أروي جامع الترمذي عن مسند العصر فلان ، ما أراه والله إلا يكذب في دعواه ، فإنه لو قرأ البخاري أو الترمذي وحفظهما فإنه إنما تلقاهما بالطريق الذي تلقاهما به سائر الناس ، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطية والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدة ، فأي فضل في هذا لإسناد هذا المسكين ، وأي صدق في دعواه أروي هذا عن فلان ، ما هذا إلا من تشبع الإنسان بما لم يعط ، ولا عجب ، فكثير من هؤلاء المجيزين والمجازين ممن لا حظ لهم في هذا العلم " انتهى من تحرير علوم الحديث

    ولذلك فإننا ندعو الأخ السائل إلى التحري دائما عن الإجازات الحقيقية التي يحملها العالم كي يتوثق من علمه وتمكنه ، وليس عن الإجازات الصورية التي هي رسوم ومظاهر من غير حقيقة علمية مثبتة .

والشيخ الألباني رحمه الله قد نال شهادة الكثير من العلماء ، ممن عرفوه وحاوروه واستمعوا إلى علمه وفهمه ، فصدرت فيه أقوى الشهادات من كبار العلماء في عصره ، كالشيخ محب الدين الخطيب والشيخ ابن باز ، وابن عثيمين ، يمكنك مراجعتها وغيرها في كتاب " حياة الألباني " للشيخ محمد إبراهيم الشيباني (ص/540-563).

من القرآن الكريم:

  • [سورة فاطر: 28]
    إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ

    في الإجازة بركة السند الموصول إلى إمام العلماء سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وهذا أمر عظيم لا يمكن إدراكه وبلوغ مرتبته وبركته بدونها، ومن هنا كانت الإجازات الروحية والعلمية سمة بارزة في حضارة المسلمين منذ القرون الأولى.

  • سورة النساء: 64
    فأصلها من القرآن الكريم؛ قال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ

    ورسالات الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم بالتعليم كانت من ربّ العالمين جلّ جلاله، وهكذا تسلسلت الإجازات إلى وقتنا الحاضر فلا يمكن القول بأنّ مَنْ يشترطها غبيّ -أعزّكم الله تعالى- كما جاء في النصّ المذكور في السؤال:ـ

من أقوال العلماء:

  • ) الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي رحمه الله تعالى (1/355).
    فَمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَهْلِيَّةَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ، وَعَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ الْأَوَّلُونَ وَالصَّدْرُ الصَّالِحُ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عِلْمٍ، وَفِي الْإِقْرَاءِ وَالْإِفْتَاءِ، خِلَافًا لِمَا يَتَوَهَّمُهُ الْأَغْبِيَاءُ مِنِ اعْتِقَادِ كَوْنِهَا شَرْطًا

    فرحم الله جلّ وعلا الإمام السيوطي فقد حاد في هذه الجزئية ـ وصفه بأنّ مَنْ يشترط الإجازة في التعليم من الأغبياء ـ عن منهج جمهور علماء المسلمين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وهذا لا يُنقِص من قدره ومقامه، فلكلّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ، ولكلّ عَالِمٍ هفوةٌ، كما يُقال

من السلف الصالح:

  • موطأ الإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ (1/251).
    كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ، وَيُتْرَكُ إِلَّا صَاحِبُ هَذَا القَبْر، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ويمكن للشيخ المجاز أنْ يأذن لبعض تلاميذه ممّنْ وجد عندهم الأهلية العلمية والصدق في الخدمة ـ ولم ينالوا الإجازة العلمية بعد ـ بالتشرّف في خدمة إخوانهم من طلبة العلم ممّن هم دونهم في المستوى العلمي لكن بإشرافه المباشر وهذا تدريب لهم واختصار للزمن في تأهيل غيرهم من طلبة العلم وبهذا المعنى المتقدّم يُمكن حمل معنى كلام الإمام السيوطي رحمه الله جلّ في علاه كيف لا وقد ذكر نصوصًا سابقة في نفس الكتاب، وضمن نفس السياق أهميّة الشيخ المعلّم، وصرّح برجوعه إلى كلام أئمّة العلم، وأثنى على منهجهم في التربية والتعليم فقال مثلا:ـ (وَإِنَّمَا يُسْلَكُ ذَلِكَ مَعَ شَيْخٍ بَارِعٍ عَظِيمِ الِاسْتِحْضَارِ) (1/354) (وَأَمَّا قَدْرُ مَا يُقْرَأُ حَالَ الْأَخْذِ فَقَدْ كَانَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ لَا يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرِ آيَاتٍ لِكَائِنٍ مَنْ كَانَ وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَرَأَوْهُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْآخِذِ) (1/354) (وَقَدْ لَخَّصْتُ هَذَا النَّوْعَ وَرَتَّبْتُ فِيهِ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَاتِ وَهُوَ نَوْعٌ مُهِمٌّ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقَارِئُ كَاحْتِيَاجِ الْمُحَدِّثِ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ) (1/355) أمّا أنْ يُدرِّس طالب العلم غيره لاعتقاده بأنّه يملك الأهلية أو أنْ يصف نفسه بالعالم فهذا غير صحيح لأنّه لا ينبغي للمرء أنْ يقيّم نفسه؛ وفي هذا مخالفة لسُنّة تحصيل العلوم كلّها ومن الضرورة بمكان أنْ يعرف طالب العلم شيخه ومدى صحّة إجازته ومشايخه وسيرة حياته، وهذا ما يدونه طلبة العلم في دراسة أي نتاج علمي لأيٍّ من السادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم وليس صعبا معرفة الإجازة العلمية للشيخ المجاز، فهي على وفق حضارتنا الإسلامية الغرّاء تكون معلنة يحضرها جمع غفير من السادة العلماء وطلبة العلم وعموم الناس؛ فتكون بذلك مشهودة مشهورة معروفة بالتواتر ولا تكفي شهرة العلماء في عصرنا الراهن لشيوع الكذب وقلّة الأمانة وفساد أحوال الناس، كما أنّ مثل هذا الأمر الخطير ينبغي أنْ يُراعي المسلم فيه جانب الاحتياط والحذر لكثرة المدعين والمنتحلين هداهم الله تعالى جميعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولمزيد فائدة واطلاع حول أهمية الإجازة العلمية وبركتها وأثرها في الأمّة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2328، 2601) في هذا الموقع الميمون أما الشيخ الإمام رحمه الله فقد أجازه الشيخ راغب الطباخ مكاتبة تنبيه: إن الإجازات لا ترفع سفيها ولا تخفض عالما في زماننا لأن الأصول ثابة والعلوم مستقرة وما الإسناد إلا لشرف الإنتساب إلى سلسلة الرواية النازلة. وكم من مجاز ضيع إجازته بجهله وكم من منشغل بالعلم نال المعالي

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة