منهجية وشروط دراسة الكتب الستة الحديثية
السؤال: يقول السائل: ما هي الشروط المسبقة لطالب العلم ليبدأ في دراسة الكتب الستة الحديثية وغيرها مثل الموطأ، وهل ينبغي له أن يصل إلى مستوى معيَّن في علم الحديث، والنحو، والصرف، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم قبل دراسة هذه الكتب؟
ملخص الجواب:
لا يُشترط لطالب العلم أن يبلغ مرتبةً عالية في علوم الحديث أو النحو أو أصول الفقه قبل البدء في دراسة الكتب الستة أو الموطأ، ولكن لا بدّ من امتلاك قدرٍ من الأدوات الأساسية التي تعينه على الفهم والاستيعاب وعدم الوقوع في الأخطاء. وقد أكّد العلماء، قديمًا وحديثًا، أن المنهج الصحيح هو التدرّج، فيبدأ الطالب بمتون مختصرة في الحديث، واللغة، والفقه، ثم ينتقل بعدها إلى الكتب الستة تحت إشراف شيخٍ متمكّن. ولا يجوز لطالب العلم أن يتصدّر لتصحيح الأحاديث أو الحكم عليها لمجرّد قراءته للكتب الستة، لأن ذلك من اختصاص الراسخين في علم الحديث.
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
أولًا: التأصيل من الكتاب والسنة
1. أصل التدرّج في طلب العلم
قال الله تعالى:
من القرآن الكريم:
- آل عمران: 79
وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الرباني هو الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره». وهذا أصلٌ عظيم يدل على ضرورة البدء بالمتون الصغيرة قبل الكتب الكبيرة.
2. النهي عن القول على الله بغير علم قال الله تعالى:
من القرآن الكريم:
- الأعراف: 33
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
من السنة النبوية:
- صحيح البخاري: 71عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه
قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"
وهذا يدل على أن التفقّه في الدين لا يكون دفعة واحدة، بل يحتاج إلى تدرّج.
ثانيًا: كلام العلماء في شروط دراسة الكتب الستة والموطأ
من السلف الصالح:
- . الإمام مالك رحمه الله
«تعلّموا العلم قبل أن تتصدّروا».
وجاء عنه: «ليس كل من أحبّ أن يجلس للحديث جلس». وكتاب الموطأ لا يصلح للطالب المبتدئ إلا مع شيخ، لأنه يجمع بين الفقه، والحديث، والأسانيد.
من أقوال العلماء:
- الإمام النووي رحمه الله
قال في مقدمة شرح صحيح مسلم: «لا ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بالكتب المطوّلة قبل أن يُتقن المختصرات».
وهذا يشمل الكتب الستة.
من أقوال العلماء:
- ابن حجر العسقلاني رحمه الله
بيّن في مقدمة النكت على ابن الصلاح أن علوم الحديث تحتاج إلى: معرفة المصطلح، معرفة الرجال، معرفة اللغة، فهم المتون.
وكل هذه أدوات ضرورية قبل الدخول المتعمّق في الصحيحين والسنن.
أقوال السلف في أهمية التأصيل
من السلف الصالح:
- قال ابن المبارك رحمه الله:
«من تهاون في الأصول حُرِم الوصول».
من السلف الصالح:
- وقال مجاهد رحمه الله:
«لا يكون الرجل فقيهًا حتى يعلم ما يضرّ وما ينفع».
وهذه القواعد تؤكّد ضرورة اتباع منهج تدريجي واضح.
ثالثًا: ما الذي يحتاجه الطالب قبل دراسة الكتب الستة؟ علم الحديث معرفة مبادئ مصطلح الحديث، مثل الصحيح، والضعيف، والعلة، والشاذ. معرفة طبقات الرواة إجمالًا، كمعرفة الصحابة والتابعين. فهم معنى الإسناد، والعنعنة، والتدليس. ولا يُشترط أن يكون ناقدًا، بل المطلوب حسن الفهم والمتابعة. في اللغة العربية إتقان مبادئ النحو الأساسية، كالفاعل والمفعول، والمبتدأ والخبر. معرفة أساسيات الصرف، كالأوزان والجمع والتصغير. امتلاك قدرٍ يميّز به بين اللحن والصواب. في أصول الفقه فهم عام للقياس، والعام والخاص، والمطلق والمقيّد. معرفة طرق الاستنباط الأساسية. لأن كثيرًا من الأحاديث الفقهية لا تُفهم إلا بهذا العلم.
رابعًا: هل يشترط بلوغ مستوى عالٍ قبل دراسة الكتب الستة؟ الجواب: لا يُشترط ذلك. وإنما يكفي أن يمتلك الطالب: أدوات الفهم الأساسية، شيخًا يوجّهه، قدرة على قراءة الحديث مع فهم لغته.
من أقوال العلماء:
- قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
«كتب السنة الأصلية لا يتعلّمها الطالب وحده، بل مع أهل العلم، لأن فيها الصحيح والضعيف، والمحكم، والمعلول».
من أقوال العلماء:
- وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«لا يبدأ الطالب بالكتب الستة، لأنها تحتاج إلى فهم ودراية، وإنما يبدأ بالمتون الصغيرة ثم يرتقي».
خامسًا: هل يجوز للطالب أن يحكم على الأحاديث بمجرد قراءتها؟ لا يجوز ذلك. لأن الحكم على الأحاديث من اختصاص علماء الحديث النقّاد.
من السلف الصالح:
- وقال الإمام أحمد رحمه الله:
«إياكم أن تكتبوا آراءكم، ولكن انظروا ماذا قال أهل العلم».
يجوز لطالب العلم أن يدرس الكتب الستة والموطأ بعد تحصيل أساسيات العلوم، ومع وجود شيخ يشرح ويوجّه. لا يُشترط بلوغ مرتبة عالية في الحديث أو النحو أو الأصول، لكن لا يجوز اقتحام هذه الكتب بلا تأصيل. المنهج الذي أجمع عليه العلماء هو التدرّج، ثم التدرّج، ثم التدرّج. ولا يجوز لطالب العلم أن يتصدّر للحكم على الأحاديث أو تصحيحها لمجرّد قراءتها.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة