كيف تتغلّب على التشتت وضعف التركيز في الصلاة
السؤال: في كل صلاة أصليها، تأتيني الشكوك فيما إذا كنت قد قلت شيئًا بشكل صحيح، أو يحصل عندي ارتباك في أي ركعة أنا فيها، أو حتى هل قلت الأدعية الختامية والتسليم أم لا. كثيرًا ما أغفو أو أسرح في الخيال. لا أستطيع المداومة على الذكر لفترة طويلة دون أن أشعر بالملل أو النعاس. أحيانًا تمر خمس دقائق ثم أكتشف أنني كنت سارحًا طول الوقت. وحتى عندما أتجاهل الوساوس، صلاتي تكون بلا خشوع وتبدو بلا روح. أنتهي من الصلاة ولا أعرف ما السور التي قرأتها. أشعر أنني بلا مشاعر أثناء الصلاة. الأمر سيئ لدرجة أن ذهني يسرح حتى أثناء القيادة أو عندما يتحدث معي الناس. كيف أستطيع أن أصلح ذاكرتي الضعيفة، وأصبح أقل تشتتًا، وأحصل على
ملخص الجواب:
1. لا تلتفت إلى الشكوك. 2. خفف صلاتك مع الإتقان. 3. استحضر عظمة الله والوقوف بين يديه. 4. حافظ على الأذكار. 5. نظّم نومك وغذاءك. 6. ادعُ الله بإلحاح أن يصلح قلبك وذاكرتك. أسأل الله أن يملأ قلبك إيمانًا، ويجعل صلاتك قرة عين، ويصرف عنك وساوس الشيطان، وأن يرزقك الخشوع والسكينة.
الجواب:
بِسْمِ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ما ذكرته أيها الأخ الفاضل هو من الأمور التي يبتلي بها كثيرٌ من الناس، خاصةً من يريد الخير ويحرص على طاعة الله، فتأتيه الوساوس والتشويشات والسرحان في الصلاة، وضعف الخشوع، وكثرة النسيان، وربما يتعدى الأمر إلى حياته اليومية، كما ذكرت من التشتت أثناء القيادة أو المحادثات.
والعلاج الصحيح لهذا كما أرشد إليه أهل السنة والجماعة لا يكون بالاسترسال مع الوساوس، ولا باليأس والقنوط، وإنما بالجمع بين العبادة الصحيحة، والاعتقاد السليم، واتباع السنة، والأخذ بأسباب الصلاح في النفس والجسد والعقل.
أولًا: افهم أصل الداء
ما تعانيه بإذن الله لا يدل على ضعف في الإيمان أو عدم محبة للطاعة، بل قد يكون علامة على صدقك في طلب الخشوع، لكن الشيطان يريد أن يفسد عليك صلاتك بطرق متعددة، منها:
- الوسوسة في النية أو القراءة أو الأفعال.
- تشتيت الذهن بالأفكار الدنيوية.
من السنة النبوية:
- رواه البخاري: 3276, ومسلم: 134عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه):
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ "
من أقوال العلماء:
- مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (المجلد 22 / صفحة 608)
قِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ: لَا نُوَسْوِسُ، فَقَالَ: صَدَقُوا، وَمَا يَصْنَعُ الشَّيْطَانُ بِالْبَيْتِ الْخَرَابِ؟
المعنى: أن الشيطان لا يوسوس لمن قد خَرِب قلبُه من الإيمان والطاعة، مثل حال الكفار؛ لأنهم قد استحوذ عليهم، فلا حاجة له في الوسوسة لهم.
ثانيًا: علاج الوساوس وتشتت الذهن في الصلاة: 1. الإعراض عن الوسوسة من أعظم الوصايا التي أوصى بها السلف في الوسواس: الوقوف على اليقين، وترك الشك، وعدم الالتفات إليه.
من السنة النبوية:
- رواه مسلم: 571a عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ "
فالقاعدة: لا تعيد الصلاة بسبب الشك، ولا تتوقف عن الدعاء بسبب النسيان، ولا تُطِل الوقوف في التشهد بسبب الوسواس.
2. تقصير الأمل واستحضار الوقوف بين يدي الله تذكّر دائمًا أنك واقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية، وأنك قد لا تعيش لتصلي الصلاة التالية، فليكن قلبك حاضرًا، ولسانك خاشعًا، وجسدك متذللًا. قال ابن القيم رحمه الله: "الخشوع في الصلاة هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، وذل الجوارح، وانكسار النفس، وخضوع البدن." 3. مجاهدة النفس الصلاة عبادة، والعبادة تحتاج إلى مجاهدة، فلا تنتظر أن يأتي الخشوع دون صبر. قال تعالى:
من القرآن الكريم:
- العنكبوت: 69
"وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ"
4. تخفيف الصلاة مع الإتقان السنة أن تكون الصلاة بخشوع وبلا إطالة تُؤدِّي إلى السرحان، فاقرأ سورًا قصيرة، واحرص على التدبر فيها، ولا تُطِل الدعاء في موضع لا يُستحب فيه. 5. الاستعاذة عند الوسوسة
من السنة النبوية:
- رواه مسلم: 2203aعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزِبٌ فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاَثًا "
ثالثًا: علاج ضعف الذاكرة وكثرة السرحان عمومًا من الأسباب المهمة: 1. قلة الذكر: قال تعالى:
من القرآن الكريم:
- الزخرف: 36
وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ
2. كثرة الانشغال بالدنيا: تضعف التركيز وتستولي على القلب. 3. قلة النوم أو كثرته، وسوء التغذية، وكثرة التشتت التقني (الهاتف، الإنترنت).
ومن العلاجات النافعة: • الاستمرار على أذكار الصباح والمساء. • قراءة جزء من القرآن يوميًا بتدبر. • تقليل المنبهات والمشتتات. • ممارسة شيء من الرياضة. • تنظيم وقت النوم والراحة. • الدعاء واللجوء إلى الله بصدق، ومن أفضل الأدعية: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك." "اللهم لا تجعلني من الغافلين." "رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري." وأخيرًا: لا تيأس، ولا تتوقف قد تشعر أنك لا تتقدّم، أو أن عبادتك بلا روح، لكن اعلم أن مجرّد استمرارك في الصلاة رغم الوساوس هو جهاد عظيم، ولك فيه أجر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العبد إذا أقبل على الله بقلبه وصدق في طلبه، أعانه الله، وجعل له من أمره يسرًا."
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة