هل إقامة وليمة عائلية سنوية في شعبان تُعدّ بدعة؟

السؤال: تسأل سائلة: لدى عائلتها عادة قديمة، وهي إقامة وليمة يجتمع فيها جميع أفراد العائلة، بما فيهم الأقارب من غير الأسرة المباشرة، وذلك كل سنة في شهر شعبان قبل دخول شهر رمضان. وقد بدأوا هذه العادة سابقًا بجعلها في يوم الخامس عشر من شعبان، ثم لما علموا أن تخصيص هذا اليوم قد يكون بدعة، تركوا تحديد يوم معيّن، وأصبحوا يقيمون هذه الوليمة دون ربطها بتاريخ محدد. ويقولون إن المقصود منها مجرد اجتماع عائلي وصلة رحم وإطعام الأقارب، وليس التعبّد بزمان معيّن. إلا أن السائلة غير متيقّنة هل تدخل هذه العادة في باب البدعة أم تُعدّ من العادات المباحة، وهي تخشى أن تشارك في أمر فيه بدعة، أو أن تُسيء إلى والديها إن امتنعت عن المشاركة. فما الحكم الشرعي في ذلك؟ وكيف ينبغي لها أن تتصرّف في هذه الحالة؟

ملخص الجواب:

الأصل في العادات الإباحة ما لم يُجعل لها وصفٌ تعبُّديٌّ أو يُخصَّص لها زمانٌ على وجه القُربة. إن كانت الوليمة مجرد اجتماع عائلي وصلة رحم بلا اعتقاد فضلٍ خاص لشعبان، ولا التزام يومٍ معيَّن تعبُّدًا، فهي جائزة. أمّا إن قُيِّدت بزمنٍ معيّن على أنه قربةٌ خاصة أو اعتُقد له فضلٌ لم يثبت، فذلك بدعة إضافية. في حالتها: بعد ترك تخصيص يومٍ معيّن، وبقاء القصد صلة الرحم، لا حرج عليها بالمشاركة، مع حسن النصح برفق إن وُجد اعتقاد غير صحيح.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

أولًا: التأصيل من الكتاب والسنة

الأصل في العادات الإباحة

قال تعالى:

من القرآن الكريم:

  • البقرة: 29
    هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا

    فدلّ على أن الأصل في شؤون الدنيا الإباحة، ما لم يرد دليل بالتحريم. تحريم الابتداع في الدين قال النبي ﷺ:

من السنة النبوية:

  • الحديث 5، 40 الحديث النوويعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا،
    مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ

    متفق عليه. وقال ﷺ:

من السنة النبوية:

  • الحديث 28، 40 الحديث النوويعَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
    وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ سنن أبي داود 4607

    فإذا كان الفعل يُجعل قربةً مخصوصة بزمن مخصوص بلا دليل دخل في البدعة. فضل صلة الرحم والإطعام قال ﷺ:

من السنة النبوية:

  • رياض الصالحين 314روى أبو هريرة رضي الله عنه:
    مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ متفق عليه.

    وقال ﷺ:

من السنة النبوية:

  • الجامع الترمذي 2485عبد الله بن سلام:
    أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ

    رواه الترمذي وصححه الألباني.

فالأصل أن الاجتماع وصلة الرحم قربة مشروعة، لكن من غير تقييد مبتدع. ثانيًا: التفصيل الفقهي الحالة الأولى: إن كانت عادة محضة لا يعتقدون فضلًا خاصًا لشعبان. لا يلتزمون يومًا معيّنًا تعبُّدًا. لا يقصدون التقرب إلى الله بخصوص هذا الاجتماع في هذا الشهر. فهذه عادة اجتماعية مباحة، بل قد تكون مستحبة لما فيها من صلة الرحم.

من أقوال العلماء:

  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    العادات الأصل فيها الإباحة، فلا يُحظر منها إلا ما حرّمه الله ورسوله.

من أقوال العلماء:

  • وقال ابن عثيمين:
    ما كان من باب العادات فلا يُعدّ بدعة إلا إذا قُصد به التعبّد.

الحالة الثانية: إن كان فيه تخصيص تعبدي لشعبان إن قيل: نجتمع في شعبان لأنه شهر له فضل خاص للاجتماع والولائم. أو يُلتزم الاجتماع كل سنة على هيئة راتبة تعبُّدية. فهنا يكون بدعة إضافية؛ لأن تخصيص زمان بعبادة لم يخصّه الشرع بها من البدع. وقد نص العلماء أن تخصيص العبادات بأزمنة لم يخصّها الشرع من جنس البدع، كما قرره الشاطبي في الاعتصام. ثالثًا: تطبيق الحكم على سؤال السائلة بما أنهم: تركوا تحديد يوم النصف من شعبان. لا يربطون الاجتماع بفضيلة تعبُّدية خاصة. يقصدون مجرد الاجتماع العائلي. فالراجح أنه لا يدخل في البدعة، بل هو من باب العادات. وعليه: يجوز لها المشاركة. بل يُستحب إن كان فيه صلة رحم وبر والدين. ولا تُعدّ مشاركة في بدعة ما دام الوصف التعبدي غير موجود. رابعًا: كيف تتصرف عمليًا؟ تشارك بنيّة صلة الرحم. لا تعتقد فضلًا خاصًا للشهر بسبب هذه الوليمة. إن سمعت من يعتقد فضيلة خاصة، تنصح بلطف دون إثارة فتنة. لا تُسيء إلى والديها بالامتناع بلا سبب شرعي ظاهر. قال تعالى:

من القرآن الكريم:

  • لقمان :15
    وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌۭ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا ۖ

    فإذا كان الأمر مباحًا أصلًا، فبرّهما أولى.

إن كان الاجتماع عادة دنيوية لصلة الرحم → جائز. إن كان تعبّدًا مخصوصًا لشعبان → بدعة. في صورتها الحالية: لا يظهر أنه بدعة، ويجوز لها الحضور مع سلامة الاعتقاد. إن أحببت أذكر لك ضابطًا مختصرًا جدًا للحفظ يفرّق بين العادة والبدعة في مثل هذه الصور.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة