ما حكم التوقيع على عقد قرض طلابي يتضمن فوائد عند التأخر في السداد؟

السؤال: هل يجوز للطالب أن يوقّع على عقد ينص على وجود فائدة على القرض إذا لم يقم بسداد القرض في الوقت المحدد؟ مع أنه يستطيع تجنب هذه الفائدة إذا سدد في الوقت المحدد، ولكن الفائدة تُفرض عليه إذا تأخر في السداد. وهذا يشبه بطاقة الائتمان؛ فإذا سدد المبلغ الذي اقترضه في الوقت المحدد فلا تُفرض عليه أي فائدة

ملخص الجواب:

إذا كان عقد القرض ينص على أنه عند التأخر في السداد تُفرض زيادة مالية أو فائدة ربوية، فلا يجوز للمسلم أن يوقِّع عليه ابتداءً؛ لأن التوقيع إقرارٌ ورضًا بشرط ربوي محرم، ولو كان عازمًا على السداد قبل حلول الفائدة. فالتحريم لا يتعلق فقط بدفع الفائدة فعلًا، بل يتعلق أيضًا بالدخول في العقد الربوي والالتزام بشروطه. وعليه؛ فالعقد المشتمل على شرط الفائدة عقد محرم، ولا يقال: "سأسدد قبل موعد الفائدة فلا حرج"، لأن المسلم قد التزم بعقدٍ يتضمن الربا عند حصول التأخير.

الجواب:

أَوَّلًا: تحريم الربا في الكتاب والسنة

من القرآن الكريم:

  • البقرة: ٢٧٨-٢٧٩
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
  • البقرة: ٢٧٥
    وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا

    أكل الربا من أكبر الكبائر، وقد أعلن سبحانه الحرب على من تعامل به؛ لما فيه من ضياع لأموال الناس، وأكل لحقوقهم، وما يترتب على ذلك من التقاطع والتدابر بين الناس، وفساد المجتمعات

من السنة النبوية:

  • صحيح مسلم من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال:
    أن النبي ﷺ: « لَعَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آكِلَ الرِّبا ومُؤكِلَه. قال: قُلتُ: وكاتِبَه وشاهِدَيه؟ قال: إنَّما نُحَدِّثُ بما سَمِعنا. ».

    فدل الحديث على أن الإعانة على العقد الربوي والمشاركة فيه محرمة، ولو لم يكن الشخص هو الآخذ للفائدة.

  • صحيح الترغيبوعن عبدالله بن حنظلة رضي الله عنه قال:
    أن النبي ﷺ: دِرهمُ ربًا يأكلُه الرَّجلُ وهوَ يعلَمُ ؛ أشدُّ من سِتةٍ وثلاثين زَنْيَةٍ

    شرح: وفي هذا الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "درهم ربا يأكله الرجل"، أي: يأخذه أو ينتفع به، وإنما عبر بالأكل؛ لأنه أهم ما يصرف فيه المال غالبا،والربا أنواع كثيرة ويشملها معنى التعامل بين الناس بالزيادة على أصل المال أو السلع بيعا وشراء أو إقراضا، وسواء كان الربا بالزيادة والفضل، أو ربا التأجيل والنسيئة، "وهو يعلم" أنه ربا، سواء كان هو الكاسب له أو لغيره. أشد" في العقوبة "من ستة وثلاثين زنية"، والمراد بهذا العدد قيل: المبالغة لا الحصر، وحكمة العدد الخاص مفوضة إلى الشارع. وقيل: يحتمل أن الأشدية على حقيقتها؛ فتكون المرة من الربا أشد إثما من تلك الزنيات الستة والثلاثين؛ لحكمة علمها الله تعالى، وقد يطلع عليها بعض أصفيائه. وإنما كان الربا أشد من الزنا؛ لأن من أكله فقد حاول مخالفة الله ورسوله ومحاربتهما بعقله الزائغ، فيودي بصاحبه إلى خاتمة السوء، والعياذ بالله تعالى وأما قبح الزنا فظاهر عقلا وشرعا، وله وازع وزواجر سوى الشرع، فأكل الربا يهتك حرمة الله عز وجل، وفاعل الزنا يخرق جلباب الحياء، والظاهر أنه أريد به المبالغة؛ زجرا عن أكل الحرام، وحثا على طلب الحلال واجتناب حق العباد. وفي الحديث: التحذير الشديد من الوقوع في الربا.

  • المسلمِ . صحيح الجامععبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال:
    أن النبي ﷺ: الربا ثلاثةٌ وسبعونَ بابًا ، وأيسرُها مثلُ أنْ ينكِحَ الرجلُ أمَّهُ ...

    شرح: وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الربا ثلاثة وسبعون بابا"، أي: إثم الربا على ثلاثة وسبعين درجة، "وأيسرها"، أي: أهون هذه الدرجات وأدناها في الإثم "مثل أن ينكح الرجل أمه"، أي: ذنبه يكون مساويا لمن وقع على أمه ووطئها، ولا شك أن هذا ذنب عظيم جدا؛ فدل على عظم ذنب الربا وعظيم خطره، ثم قال: "إن أربى الربا"، أي: إن أشد أنواع الربا في الإثم وأعظمها ذنبا.

ثَانِيًا: هل يجوز التوقيع ما دام سيُسدِّد قبل حلول الفائدة؟ الجواب: لا يجوز. لأن حقيقة العقد أنه قرضٌ مشروطٌ فيه الربا عند التأخر. فالموقِّع قد رضي بهذا الشرط والتزم به عند التعاقد. ولهذا نص جماعة من أهل العلم المعاصرين على أن القروض التي تتضمن شرط الفائدة عند التأخر هي عقود ربوية محرمة، سواء حصل التأخر بعد ذلك أم لم يحصل. فالعبرة بالعقد نفسه وما اشتمل عليه من الشروط. ثَالِثًا: هل يُقال إن الفائدة أمر محتمل وقد لا يقع؟ هذا لا يغيِّر الحكم. فلو قال قائل: "أنا متأكد أنني سأسدد في الوقت المحدد." فالجواب أن العقد قد اشتمل أصلًا على التزام ربوي عند حصول التأخير. والشريعة لا تُبيح الدخول في العقد المحرم اعتمادًا على توقع السلامة من بعض آثاره. ولهذا فرَّق العلماء بين: قرض حسن خالٍ من الشروط الربوية. وقرض يتضمن شرطًا ربويًا عند التأخير. فالأول جائز. والثاني محرم. رَابِعًا: قياسه على بطاقة الائتمان هذه المسألة من أكثر المسائل التي تكلم فيها أهل العلم المعاصرون. وقد ذهب جمع من العلماء والهيئات الشرعية إلى تحريم البطاقات التي تشترط فوائد ربوية عند التأخر في السداد؛ لأن حامل البطاقة يلتزم بذلك الشرط الربوي عند توقيع العقد. حتى لو كان ينوي السداد قبل استحقاق الفوائد. فالنية الحسنة لا تُصحح العقد الفاسد. خَامِسًا: حكم العقد نفسه إذا اشتمل العقد على شرط ربوي، فإن هذا الشرط شرط فاسد ومحرم. وقد قرر الفقهاء أن: "كل قرض جرَّ نفعًا مشروطًا للمقرض فهو من الربا." والزيادة عند التأخير هي عين ربا الجاهلية الذي كان أهل الجاهلية يقولون فيه: "إما أن تقضي وإما أن تُربي." أي: إما أن تدفع الدين الآن، وإما أن نزيد عليك مقابل التأخير. سَادِسًا: قاعدة: ما بُنِيَ على الفاسد فهو فاسد من القواعد الفقهية المشهورة عند أهل العلم: "ما بُنِيَ على باطل فهو باطل." فإذا كان أصل الالتزام العقدي قائمًا على شرط ربوي محرم، فإن الرضا به والتوقيع عليه لا يكون مشروعًا. ولهذا لا يُقال: "لم أدفع الفائدة فعلًا." لأن الكلام هنا في جواز إنشاء العقد والدخول فيه ابتداءً. أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ

من أقوال العلماء:

  • قال عبد العزيز بن باز رَحِمَهُ ٱللَّٰهُ:
    "إذا كان العقد يشتمل على فائدة ربوية عند التأخير فلا يجوز الدخول فيه."
  • وقال محمد ناصر الدين الألباني رَحِمَهُ ٱللَّٰهُ:
    "العقود الربوية لا تجوز ولو كان المتعامل ينوي التخلص من الفائدة."
  • وقال محمد بن صالح العثيمين رَحِمَهُ ٱللَّٰهُ في معنى كلامه:
    "كل عقد يلتزم فيه الإنسان بدفع الربا عند تحقق شرطه فهو عقد محرم."

النَّتِيجَةُ أن القرض الذي ينص عقده على فرض فائدة أو زيادة مالية عند التأخر في السداد لا يجوز التوقيع عليه ابتداءً. ولا يغيِّر الحكم كون المقترض ينوي السداد قبل موعد الفائدة، لأن المحرم هو الدخول في العقد المشتمل على الشرط الربوي والرضا به. وعليه: فالتوقيع على هذا العقد لا يجوز. والتأثم يحصل بمجرد الدخول في العقد الربوي مع العلم بحقيقته. ولا يُصحِّح العقد كون الفائدة لم تُدفع فعلًا. والقاعدة الفقهية: "ما بُنِيَ على باطل فهو باطل"، و**"ما بُنِيَ على الفاسد فهو فاسد"** تدل على أن العقود المؤسسة على الشروط المحرمة لا تكون مشروعة. والواجب على المسلم أن يلتمس البدائل المباحة الخالية من الربا وشروطه،

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة