الإنكار العلني على الحكام بين منهج السلف والشبهات
السؤال: هل يجوز في الإسلام الإنكار العلني على الحكّام؟ وإذا كان لا يجوز، فكيف نُفَسِّر موقف أبي سعيد الخدري حين أنكر على مروان، وموقف سعيد بن جبير حين خرج على الحجاج؟
ملخص الجواب:
نصيحة الحكام تكون سرًّا لا علنًا. الإنكار العلني الذي يترتب عليه فتنة وشق عصا الطاعة مخالف لمنهج السلف. أثر أبي سعيد يخص مسألة عبادة ظاهرة لا يقاس عليها. خروج سعيد بن جبير اجتهاد غير صائب، وأهل السنة ينهون عن الاقتداء به في هذا الباب.
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
أهل السنة والجماعة يرون أن الأصل في نصيحة الحكام أن تكون سرًّا لا علنًا، وذلك استنادًا إلى الأحاديث الصحيحة
من السنة النبوية:
- (رواه أحمد وصححه الألباني)منها قول النبي ﷺ
من أراد أن ينصح لذي سلطانٍ فلا يُبْدِه علانيةً، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قَبِلَ منه فذاك، وإلا فقد أدى الذي عليه
ولهذا كان منهج السلف في الإنكار على الأمراء مبنيًّا على أمرين: النصيحة بالسرّ، لا بإثارة الناس علنًا، لما في ذلك من الفتنة وشقّ عصا الطاعة. الصبر على ظلمهم وجَورهم، ما لم يظهر منهم كفرٌ بواح عندنا فيه من الله برهان. الجواب عن أثر أبي سعيد الخدري مع مروان ورد أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه أنكر على مروان حين قدّم الخطبة على الصلاة يوم العيد. هذا ليس خروجًا على الحاكم ولا إنكارًا علنيًّا بمعنى إثارة الناس، بل هو من باب البيان الشرعي في مسألة ظاهرة أمام الناس، أي إنكاره كان في نفس الموضع الذي وقعت فيه المخالفة، وليس دعوة للخروج ولا لتأليب الناس. وقد أنكر بعض السلف على الحكام في مسائل ظاهرة تتعلق بالعبادة، لكن ذلك لم يكن على وجه شق العصا أو إثارة الفتنة، بل كان إنكارًا علميًّا مباشرًا. إذن: فعل أبي سعيد لا يُحتج به على جواز الإنكار العلني المطلق على الحكام، بل هو استثناء في باب العبادة الظاهرة، مع التزام الصحابة بالصبر والطاعة في غير معصية. الجواب عن أثر سعيد بن جبير وخروجه على الحجاج سعيد بن جبير رحمه الله من كبار التابعين، وقد خرج مع ابن الأشعث في قتال الحجاج. لكن الخروج على الحكام بالقتال منهجٌ مخالف لأهل السنة والجماعة، وإن كان فاعله من خيار العلماء والعباد. أهل السنة يرون أن هذا الخروج كان اجتهادًا من سعيد بن جبير وغيره، لكنه اجتهاد غير مصيب، والدليل أن عامة السلف ذمّوا الخروج لما ترتب عليه من فتن عظيمة وسفك دماء. بل نص الأئمة الكبار كالإمام أحمد وغيره على أن الصبر على ظلم الحكام خير من الخروج عليهم، لما في الخروج من الفساد الأكبر. إذن: فعل سعيد بن جبير لا يُحتج به على جواز الخروج، وإنما هو من قبيل الاجتهاد الذي لا يُتَّبع، بل يُستغفر له ويُترحّم عليه. الرد على الشبهتين شبهة الاستدلال بإنكار أبي سعيد على مروان: الجواب: إنكاره كان في مسألة ظاهرة متعلقة بالعبادة العامة، ولم يكن خروجًا ولا تحريضًا، بل مجرد بيان للحكم الشرعي في مقامه، ولم يكن دعوة علنية لتأليب الناس. فلا دليل فيه على جواز الإنكار العلني المطلق على الحكام. شبهة الاستدلال بخروج سعيد بن جبير على الحجاج: الجواب: هذا الخروج لم يكن من منهج أهل السنة، بل كان اجتهادًا أخطأ فيه بعض العلماء والعباد، وقد أجمع أئمة السلف بعد ذلك على ذمّ الخروج؛ لما يترتب عليه من المفاسد. فالاستدلال به على جواز الخروج مردود، إذ ليس كل فعل لعالم أو تابع حجة، وإنما الحجة في الكتاب والسنة وإجماع السلف.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة