حكم معاملة القريبة المتزوجة من ملحد

السؤال: ترى، عمّتي تزوّجت قبل ثلاث سنوات من رجلٍ تعرّفت عليه سريعًا ثم خُطبت له وتزوّجت، وبسبب أن زواجها كان "غير تقليدي" رفض بعض أعمامي القلائل ذلك، لكن جدّي وافق، وكذلك جدّتي وعمّاتي وأبي. ومع مرور السنين بدأنا نلاحظ أنّ زوج عمّتي ليس مسلمًا حقًّا، بل هو ملحد أو قريب من اللاديني، لكنه محترم تجاه الدين وكل ذلك. ومع مرور الوقت بدأت عمّتي تبتعد عن الإسلام، فخلعت الحجاب، ولم تعد تصلي تقريبًا. وما زالت تُسمي نفسها مسلمة، لكننا جميعًا نعلم أنها مسلمة بالاسم فقط. هذه المسألة سببت ردود فعل مختلفة داخل العائلة، فاثنان من أعمامي قطعوا علاقتهم بها وبزوجها تمامًا ولم يتعاملوا معهما أبدًا، بينما البقية لم يعارضوا ولم يقطعوا الصلة. أما أبي، فقد توقف عن الحديث معها في البداية، لكنه شعر بالذنب لاحقًا، واعتبر أننا يجب أن نحافظ على صلة الرحم. فسافر إلى الولايات المتحدة واستقرّ هناك معها ومع زوجها، وأصبح قريبًا منهما وخاصة من زوج عمّتي. وكان يأتي لزيارتنا من حينٍ لآخر في بيتنا، فتعرّفتُ عليه وتحدثتُ معه، وأصبح يحبني ويريد علاقة قوية مع عائلتنا تحديدًا. فأنا الآن محتار وممزق: هل أوافق على معاملته كعمٍّ لي رغم أنه ملحد وأتصرّف معه بشكل طبيعي؟ أم أنني سأُؤثم إذا فعلتُ ذلك؟

ملخص الجواب:

• زواج عمّتك من ملحدٍ باطل شرعًا. • يجب نصحها بالحكمة والرفق والدعاء لها بالهداية. • لا يجوز بغضها من جهة الرحم، لكن يُكره الرضا عن معصيتها. • يجوز معاملته بالحسنى دون مودةٍ قلبية أو تأييدٍ لفكره. • احذر من التهاون في الولاء والبراء، واجعل نيتك الدعوة لا المجاملة. نسأل الله تعالى أن يُصلح حال عمّتك وزوجها، وأن يشرح صدورهم للإسلام، وأن يثبّتك على الحقّ والهداية.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

أولًا: حكم الزواج من غير المسلم

الزواج الذي وقع بين عمّتك وذلك الرجل باطل شرعًا إن كان الرجل غير مسلم، لأن الله تعالى قال بوضوح:

من القرآن الكريم:

  • البقرة: 221
    "...وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ..."
  • الممتحنة: 10
    "...فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ۖ..."

    وقد أجمع العلماء على أن المسلمة لا يجوز أن تكون تحت كافرٍ بحالٍ من الأحوال.

من أقوال العلماء:

  • قال ابن المنذر:
    "أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا نكاح له على مسلمةٍ بحال."

فإن كان زوج عمّتك ملحدًا أو لا يؤمن بالله ورسوله ﷺ، فالعقد بينهما غير صحيح، ويجب عليها أن تفارقه فورًا إن لم يتب إلى الله ويدخل في الإسلام. ثانيًا: موقفكم من عمّتكم عمّتكم ـ فيما يبدو من وصفك ـ قد ضعُف دينها وضعف التزامها، وربما تأثرت بزوجها، فهي اليوم في حاجة إلى الدعاء والنصح والرفق، لا إلى القطيعة المطلقة. قال الله تعالى:

من القرآن الكريم:

  • النحل: 125
    "ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ..."

من السنة النبوية:

  • صحيح البخاري: 2942، صحيح مسلم: 2406عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال:
    "...فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ‏"‏‏

فعلى أبيك وسائر العائلة أن يحافظوا على صلة الرحم دون المداهنة في الدين، أي أن يُبقي العلاقة قائمة لأجل الإصلاح والنصح، لا للمودة القلبية ولا للموافقة على الباطل. قال تعالى:

من القرآن الكريم:

  • الممتحنة: 8
    "لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ"
  • الممتحنة: 9
    "إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَـٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ وَظَـٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ"

    أي أن البرّ والمعاملة الحسنة جائزةٌ مع الكافر المسالم، لكن الولاء والمودة القلبية محرّمة.

ثالثًا: موقفك أنت من زوج عمّتك إن كان الرجل ملحدًا ولم يُعلن الإسلام، فليس “عمًّا” لك من جهة الشرع، لأن زواجه من عمّتك غير صحيح شرعًا. ومع ذلك، لا إثم عليك أن تعاملَه بالاحترام والخلق الحسن إذا كان مسالمًا وغير مؤذٍ، خاصة إن كان في ذلك أمل بدعوته إلى الإسلام. لكن يجب أن تحذر من المودّة القلبية أو القبول بفكره أو المشاركة معه في منكرٍ أو مجاملة على حساب الدين.

من القرآن الكريم:

  • المجادلة: 22
    "لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ..."

من أقوال العلماء:

  • قال ابن تيمية رحمه الله:
    "المعاملة بالبرّ والإحسان شيء، والمودة والموالاة شيء آخر، فالأول جائز بل مطلوب، والثاني محرّم."

رابعًا: التوازن بين البرّ والولاء إن أحسنتَ إليه في الكلام والزيارة والمجاملة المعتدلة رجاءَ تأليفه أو دفع شرّه، فلا حرج في ذلك، بل هو من البرّ المشروع. أما إن كان في معاملتك له ميلٌ عن الدين أو قبولٌ لحاله أو تساهل في الحلال والحرام، فذلك لا يجوز.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة