الحكم الشرعي في رعاية الحيوانات، والجمعيات الخيرية المعنية بها، والإحسان إليها؟
السؤال: السؤال: يسأل السائل: كنتُ أتساءل هل لديكم معرفة بأفضل الجمعيات الخيرية المختصة برعاية الحيوانات، سواء تلك التي تعتني بالحيوانات الأليفة المعنَّفة كالكلاب والقطط، أو التي تعمل على حماية الحيوانات المهددة بالانقراض كالدببة القطبية؟ وسبب سؤالي أن بعض الناس يقتنون الثعابين كحيوانات أليفة، وهذا لا يجوز فيما يظهر، لحديث النبي ﷺ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ وَالْحِلِّ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا». (رواه مسلم) لكن من الواضح أيضًا أن تعذيب الثعابين حتى الموت لا يجوز. وكذلك ما حكم الإحسان إلى الخنازير والتعامل معها؟ وهل الخنزير نجس بمجرد لمسه؟ أعلم فيما يبدو أنه لا توجد جمعيات خيرية إسلامية متخصصة في رعاية الحيوانات، لذلك أحببت أن أسأل إن كان لديكم علم أو توجيه في هذا الباب.
ملخص الجواب:
الإحسان إلى الحيوان من القربات التي يحبها الله تعالى، سواء كان الحيوان مأكولًا أو غير مأكول، أليفًا أو بريًّا، ما دام لا يترتب على ذلك إعانة على معصية أو ضرر بالناس. وقد جاءت الشريعة بالأمر بالرحمة بالحيوان، والنهي عن تعذيبه، وجعلت الإحسان إليه سببًا لدخول الجنة، وتعذيبه سببًا لدخول النار. وأما دعم الجمعيات التي ترعى الحيوانات، فيجوز إذا كانت تقوم بأعمال مباحة نافعة، ولا تدعو إلى ما يخالف الشريعة، ولا تجعل رعاية الحيوان وسيلة لمحاربة أحكام الإسلام أو نشر الأفكار المنحرفة. وأما اقتناء الثعابين ونحوها من الحيوانات المؤذية للزينة أو التسلية، فليس من هدي المسلمين، بل قد أمر النبي ﷺ بقتل الحيات المؤذية، فلا يليق بالمسلم أن يتخذها للهو والتفاخر. وأما الخنزير، فهو محرم الأكل، وقد وصفه الله بالرجس، لكن هذا لا يمنع من الإحسان إليه إذا احتيج إلى ذلك، كإطعامه أو دفع الأذى عنه، لأن الإسلام نهى عن تعذيب كل ذي روح.
الجواب:
بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
أولًا: الإسلام دين الرحمة بالحيوان
جاءت النصوص الكثيرة تدل على وجوب الرحمة بالحيوان، فمن ذلك قول الله تعالى:
من القرآن الكريم:
- [الأنعام: 38]
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾
من السنة النبوية:
- وفي الصحيحين:من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: : قال النبي ﷺ:
«فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ».
- وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وعن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما قال:قال النبي ﷺ:
«دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، حَبَسَتْهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ.»
- وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ﷺ:
« غُفِرَ لامرَأةٍ مومِسةٍ مَرَّت بكَلبٍ على رَأسِ رَكيٍّ يَلهَثُ، قال: كادَ يَقتُلُه العَطَشُ، فنَزَعَت خُفَّها، فأوثَقَتْه بخِمارِها، فنَزَعَت له مِنَ الماءِ، فغُفِرَ لَها بذلك..»
من السنة النبوية:
قلت: - فيه الحث على الإحسان إلى الحيوان، والرحمة به. - وفي الحديث أن الرحمة بالحيوان سبب لمغفرة الذنوب. - فكل إحسان إلى الحيوان يرجى لصاحبه الأجر إذا ابتغى بذلك وجه الله. ثانيًا: هل يجوز دعم جمعيات رعاية الحيوانات؟ • الأصل في ذلك الجواز إذا توفرت الضوابط الشرعية، ومنها: • أن تكون الجمعية تقوم برعاية الحيوان وعلاجه وإطعامه. • ألا تدعو إلى محرم أو تنشر أفكارًا تخالف الإسلام. • ألا تستعمل الأموال في محاربة المسلمين أو دعم منظمات فاسدة. • وألا يكون التبرع على حساب الحقوق الواجبة، كنفقة الوالدين أو الزوجة أو الفقراء المحتاجين. • ولا يشترط أن تكون الجمعية إسلامية إذا كان العمل نفسه مباحًا وخيرًا. • لكن الأولى للمسلم أن يقدّم وجوه البر التي نفعها أعظم وأبقى، كدعم الدعوة إلى الله، وتعليم القرآن، وكفالة الأيتام، وإغاثة المسلمين المحتاجين، ثم إن وسّع الله عليه فلا حرج أن يحسن إلى الحيوان أيضًا. ثالثًا: اقتناء الثعابين والحيوانات المؤذية
من السنة النبوية:
- روى الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:قال النبي ﷺ:
« خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ : الحيةُ والفأرةُ والغرابُ الأبقعُ والكلبُ والحِدَأَةُ»
وذكر منها: «الحية»
وهذا يدل على أن الحيات من الحيوانات المؤذية التي أذن الشرع في قتلها عند وجودها لما فيها من الضرر. أما اقتناؤها للزينة أو التفاخر أو اللهو فليس من هدي المسلمين، بل قد يعرّض النفس والناس للخطر، ويوقع في التشبه بأهل العبث وإضاعة المال. ومع ذلك، لا يجوز تعذيبها أو إحراقها أو قتلها بطرق مؤلمة؛
من السنة النبوية:
- لأن النبي ﷺ قال:عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».
فإذا احتيج إلى قتلها، قتلت بأسرع طريقة تحقق المقصود دون تعذيب.
رابعًا: الإحسان إلى الخنازير الخنزير حيوان حرّم الله أكله، فقال سبحانه:
من القرآن الكريم:
- [الأنعام: 145]
﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾
لكن تحريم أكله لا يعني جواز ظلمه أو تعذيبه. فلو وجد المسلم خنزيرًا جائعًا أو عطشانًا، أو احتاج إلى إنقاذه من الهلاك دون أن يترتب على ذلك محذور شرعي، فلا حرج في الإحسان إليه؛ لأن الرحمة تشمل جميع الحيوان.
من أقوال العلماء:
- قال بعض العلماء:
"الإحسان إلى الحيوان مطلوب، ولو كان كلبًا."
والخنزير أولى أن يُلحق بهذا الأصل من جهة النهي عن التعذيب، مع بقاء تحريم اقتنائه وأكله.
خامسًا: هل الخنزير نجس بمجرد لمسه؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الخنزير نجس العين. لكن مجرد لمس الخنزير لا يوجب غسل البدن سبع مرات كما هو الحكم في ولوغ الكلب في الإناء، إذ لم يرد بذلك دليل. فإذا أصابت رطوبة الخنزير يد الإنسان أو ثوبه، فإنه يغسل الموضع حتى تزول النجاسة، وهذا هو الواجب. سادسًا: التوجيه للمسلم في باب الأعمال ينبغي للمسلم أن يكون واسع الرحمة، فيرحم الإنسان والحيوان، لكن مع ترتيب الأولويات التي جاء بها الشرع. فأعظم ما يتقرب به العبد إلى الله هو: - تحقيق التوحيد. - المحافظة على الصلوات. - بر الوالدين. - طلب العلم الشرعي. - الدعوة إلى الله. - تعليم القرآن. - الصدقة على الفقراء والمحتاجين. - كفالة الأيتام. - نشر السنة والدفاع عنها. وهذه الأعمال أعظم أجرًا وأبقى أثرًا من الانشغال بما هو دونها.
من القرآن الكريم:
- سورة البقرة [الآية 148]
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
- سورة المزمل الآية [20]
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
من السنة النبوية:
- روه إلامام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ.»
• ومن رحم خلق الله رحمه الله، ومن أحسن إلى حيوان ابتغاء وجه الله أثابه الله على ذلك، ورب عمل يسير يكون سببًا لدخول الجنة، كما غُفِرَ للرجل، وفي روايةٍ: لامرأةٍ سقت كلبًا ، فالمؤمن يغتنم كل باب يقربه إلى الله، صغيرًا كان أو كبيرًا. • واحذر من قسوة القلب وتعذيب الحيوان أو العبث به؛ فإن النبي ﷺ أخبر أن امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها حتى ماتت، فكيف بمن يتخذ تعذيب الحيوان لهوًا أو رياضة أو تسلية؟ • واحذر أيضًا أن يشغلك الاهتمام بالحيوانات عن الواجبات العظيمة، أو عن نصرة دين الله، أو عن بر الوالدين، أو عن إعانة الفقراء، أو عن طلب العلم؛ فإن المؤمن يزن أعماله بميزان الشرع، ويقدّم ما كان أحب إلى الله وأعظم أجرًا في الآخرة. النتيجة الإحسان إلى الحيوانات كلها مشروع، حتى مع الحيوانات المحرمة الأكل، ولا يجوز تعذيب شيء من ذوات الأرواح. ويجوز دعم الجمعيات التي ترعى الحيوانات إذا كان عملها مباحًا ولا يشتمل على مخالفة شرعية. ومع ذلك، ينبغي للمسلم أن يجعل أعظم همّه ما يقرّبه إلى الله تعالى من تحقيق التوحيد، والمحافظة على الفرائض، ونفع المسلمين، والدعوة إلى الله، وطلب العلم، فإن هذه الأعمال هي رأس التجارة الرابحة في الدنيا والآخرة، مع عدم إهمال الرحمة بكل مخلوق خلقه الله.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة