حكم إقامة جماعة ثانية في المسجد بعد الجماعة الأولى
السؤال: هل يجوز إقامة جماعةٍ ثانيةٍ في المسجد بعد انتهاء الجماعة الأولى، إذا حضر بعض الناس متأخرين فأقاموا جماعةً أخرى؟ وما أقوال السلف والعلماء في هذه المسألة؟ ومن الذين قالوا بالجواز، ومن الذين قالوا بعدم الجواز؟ وما هو القول الراجح في ذلك؟
ملخص الجواب:
الأصل عدمُ جواز إقامة جماعةٍ ثانيةٍ للفريضة في المسجد الذي له إمامٌ راتب وجماعةٌ قائمة؛ لما فيه من تفريق الجماعة ومخالفة عمل الصحابة رضي الله عنهم. ويُستثنى من ذلك صورةٌ واحدةٌ: وهي أن يكون أحدُ الرجلين قد صلَّى الفريضة، فيدخل مع من لم يُصلِّها بنية النافلة، فهذه جائزة
الجواب:
أوّلًا: حكم إقامة جماعةٍ ثانيةٍ بعد الجماعة الأولى
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين مشهورين:
القول الأوّل: عدم الجواز (وهو قول جمهور السلف)
وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين، وبه قال جماعة من أهل العلم.
ومن أدلّتهم وأقوالهم: فعل الصحابة رضي الله عنهم:
أوّلًا: نُقُولٌ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
١) أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
من السلف الصالح:
- قال إبراهيم النخعي رحمه الله:
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صُلِّيَتِ الصَّلَاةُ صَلَّى وَحْدَهُ، وَلَمْ يُقِمْ جَمَاعَةً
رواه ابن أبي شيبة في المصنف. وهذا فعلٌ صريحٌ من صحابيٍّ جليل، مع قيام السبب وانتفاء المانع، ولو كانت الجماعة الثانية مشروعة لفعَلها أو أمَر بها.
من السلف الصالح:
- ٢) أثر أنس بن مالك رضي الله عنه
روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن أنس رضي الله عنه: أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْجَمَاعَةِ صَلَّى وَحْدَهُ، وَلَمْ يُقِمْ جَمَاعَةً أُخْرَى
وهذا عمل صحابي خادم النبي ﷺ، وهو من أعلم الناس بسنّته العملية. ثانيًا: نُقُولٌ عَنِ التَّابِعِينَ
من السلف الصالح:
- ٣) قول الحسن البصري رحمه الله
قال الحسن البصري: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صُلِّيَ فِيهِ، صَلَّى وَحْدَهُ.
رواه ابن أبي شيبة. ٤) قول سعيد بن المسيب رحمه الله
من السلف الصالح:
- قال سعيد بن المسيب:
لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ مَرَّتَيْنِ
وهو من فقهاء المدينة السبعة، وكلامه له وزنٌ عظيم في العمل المدني.
ثالثًا: تقرير أهل العلم اعتمادًا على فعل السلف
من السلف الصالح:
- قال الإمام مالك رحمه الله:
لَا أَرَى أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ مَرَّتَيْنِ وقال أيضًا: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْمَاضِينَ
وهذا تعليلٌ قويّ، إذ علّق الحكم على عمل السلف لا على مجرّد الرأي.
قالوا: إن إقامة جماعة ثانية في المسجد الذي له إمام راتب يُفضي إلى تفريق الجماعة، ويُضعف مقصد الشارع في اجتماع المسلمين على إمامٍ واحد. واحتجوا بأن هذا لم يكن من عمل الصحابة مع كثرة الداخلين بعد الصلاة في مساجدهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. وهذا القول هو الراجح. القول الثاني: الجواز مطلقًا وهو قول لبعض أهل العلم، واستدلوا بأحاديث في فضل الجماعة، وبحديث:
من السنة النبوية:
- سنن أبي داود: 574عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
أَلاَ رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ "
لكن هذا الاستدلال لا يدل على جواز جماعةٍ ثانيةٍ للفريضة مع الفريضة، كما سيأتي.
ثانياً: تحرير القول الراجح القول الراجح: عدم جواز إقامة جماعةٍ ثانيةٍ للفريضة مع الفريضة في المسجد الذي له إمام راتب وقد أُقيمت الجماعة؛ ويجوز في صورةٍ واحدةٍ فقط، وهي إذا لم تكن فريضة مع فريضة. ثالثًا: الصُّوَرُ الْمَطْلُوبَة الصورة الأولى: الصورة التي لا تجوز أن يُقيم رجلان (أو أكثر) جماعةً ثانيةً للفريضة بعد انتهاء الجماعة الأولى، وكلهم لم يُصلُّوا الفريضة. هذه غير جائزة على الراجح؛ لأنها: مخالفة لفعل الصحابة، وفيها تفريق للجماعة، ولم تُعرف عن السلف مع وجود المقتضي وانتفاء المانع. الصورة الثانية: الصورة التي تجوز أن يكون أحد الرجلين قد صلّى الفريضة، ثم دخل المسجد، فوجد رجلًا لم يُصلِّها، فيُصلّي معه بنيّة النافلة، والآخر بنيّة الفريضة. وهذه جائزة، وهي التي دلّ عليها حديث: «من يتصدق على هذا فيصلي معه». التنبيه المهم: هذا ليس من باب إقامة فريضةٍ مع فريضة، بل: فريضة مع نافلة، فلا تدخل في النهي. لا يجوز: فريضة مع فريضة بعد الجماعة الأولى في المسجد. يجوز: نافلة مع فريضة إذا كان أحدهما قد صلّى. القول الراجح: عدم الجواز، وهو الموافق لفعل الصحابة كابن مسعود وأنس رضي الله عنهم. هذا هو المعتمد عند التحقيق، وهو الأقرب لمقاصد الشريعة في جمع الكلمة وعدم تفريق الجماعة.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة