الانتفاع بعلم من انتسب إلى الأشاعرة، وكيف يُجاب عن ذلك
السؤال: إذا كان لا يجوز الأخذ عن أهل البدع ولا الاستماع إليهم، فكيف نتعامل مع العلماء الذين عُرِف عنهم الانتساب إلى الأشاعرة، مثل السيوطي والجويني وغيرهم؟ وماذا أُجيب من يحتجّ بهذا عليّ ويقول: كيف نمنع الأخذ عن أهل البدع ومع ذلك ننتفع بكتب هؤلاء العلماء؟
ملخص الجواب:
المنهج السلفي وسطٌ بين الإفراط والتفريط؛ فلا يُسوِّي بين العالم السني في الجملة وبين المبتدع الداعية، ولا يُسقط علم الأئمة لأجل أخطاءٍ خالفوا فيها الحق. بل يُؤخذ الحق حيث كان، ويُردّ الخطأ كائنًا من كان قائله، مع حفظ أقدار العلماء، ولزوم منهج السلف الصالح.
الجواب:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ
أولًا: الأصل في التحذير من أهل البدع
جاء في الكتاب والسنة الأمر بلزوم سبيل المؤمنين، والتحذير من سبل أهل الأهواء. قال الله تعالى:
من القرآن الكريم:
- الأنعام، 153
"وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ..."
من السنة النبوية:
- سنن أبي داود: 4597، جامع الترمذي: 2641، سنن ابن ماجه: 3991عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال:
أَنَّهُ قَامَ فِينَا فَقَالَ أَلاَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ فِينَا فَقَالَ " أَلاَ إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ "
ولهذا كان السلف يُحذِّرون من مجالسة أهل البدع، لما في ذلك من خطر تلبيسهم على العامة، وإفساد القلوب.
ثانيًا: التفريق بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية هذا التفريق منقول عن السلف، وهو أصل معتبر عند أهل السنة. قال الإمام أحمد رحمه الله في أهل الأهواء: إذا كان صاحب بدعة يدعو إليها، فلا يُجلَس إليه، وأما من لم يدعُ إليها فيُحذَّر ولا يُهجر هجرًا مطلقًا.
من أقوال العلماء:
- وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
ليُعرف أهل البدع بذكرهم أهل السنة بسوء.
فالعالم الذي عنده بدعة، لكنه لم يجعلها أصلًا ولا دعا إليها، وكان له قدم صدق في العلم والسنة، يُنتفع بعلمه فيما أصاب فيه، ويُتَّقى خطؤه. ثالثًا: تطبيق ذلك على المنتسبين إلى الأشاعرة كثير من العلماء الكبار الذين نُسبوا إلى الأشاعرة، كالسيوطي، والجويني في بعض أطواره، وغيرهما، لم يكونوا دعاةً للبدعة من كل وجه، بل كانوا أئمة في علومٍ جليلة، كالحديث، والفقه، واللغة، والتفسير. ولهذا: نأخذ منهم ما وافق الحق والدليل. ونترك ما خالف منهج السلف في باب الصفات ونحوها. ولا نجعل انتفاعنا بعلمهم تزكيةً لمخالفتهم، ولا ردًّا لمنهج السلف. وقد استفاد أهل السنة من كتبهم مع التنبيه والتحذير، كما انتفعوا بكتب كثير من المتقدمين مع علمهم بما عندهم من أخطاء. رابعًا: أقوال العلماء السلفيين المعاصرين
من أقوال العلماء:
- قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
العالم قد يكون عنده خطأ أو بدعة، لكن لا يُردّ علمه كله، بل يُؤخذ ما أصاب فيه ويُترك ما أخطأ فيه.
- وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
ليس من العدل أن نطرح علم رجلٍ كلَّه إذا أخطأ في مسألة، بل ننظر فيما قال، فما وافق الكتاب والسنة قبلناه، وما خالفهما رددناه.
- وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله:
الانتفاع بكتب أهل البدع لا يجوز للعامة، وأما طالب العلم الذي يعرف الحق من الباطل فينتفع مع الحذر والرد على الخطأ.
- وقال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله:
العلماء الذين وقعوا في بدعٍ ولم يكونوا دعاةً إليها، يُحفظ لهم قدرهم، ويُبيَّن خطؤهم، ولا يُجعل ذلك ذريعة لترك منهج السلف.
خامسًا: كيف نُجيب من يحتجّ علينا بهذا؟ يُقال له: إن منع الأخذ عن أهل البدع ليس على إطلاقه، بل هو بحسب حال الآخذ والمأخوذ عنه. فالمنع متوجّه إلى: التلقي عن الدعاة إلى البدع. وإلى العامة الذين لا يميزون الحق من الباطل. وأما انتفاع أهل العلم بكتب من عندهم أخطاء، مع البيان والتحذير، فهذا مسلك السلف، وليس تناقضًا.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلة