هل زنا العينين في نفس درجة زنا الجسد

السؤال: هل زِنا العينين في نفس درجة زِنا الجسد؟ وهل يُعتبر من الكبائر أيضًا؟ وكيف تكون التوبة منه؟

ملخص الجواب:

• زنا العينين معصية عظيمة وذنب كبير إذا كان عن عمد وبشهوة، لكنه ليس في مرتبة الزنا الفعلي، بل هو من الكبائر إذا أصرّ العبد عليه أو تمادى فيه. • التوبة منه واجبة على الفور، وشروطها: الإقلاع الندم العزم على عدم العودة الإكثار من الطاعات.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

زِنا العينين وهو النظر المحرَّم إلى ما لا يحل ليس في نفس درجة زنا الجسد (الزنا الفعلي)، لكنه معصية كبيرة وخطيرة، وهو من مقدمات الزنا الحرام، وقد سماه النبي ﷺ "زنا" من باب التشبيه والمجاز، لأنه يؤدي إلى الزنا الحقيقي أو يقرّبه، ولأن فيه لذة محرمة تشبه لذة الزنا في الجسد.

أولًا: الأدلة من السنة:

من السنة النبوية:

  • صحيح البخاري: 6243، صحيح مسلم: 2657عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
    قَالَ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ‏ "‏ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ ‏"

    هذا الحديث بيَّن أن النظر المحرم نوع من الزنا، لكنه ليس كالزنا الفعلي، إذ الزنا الفعلي أعظم وأشد إثمًا، لكنه يبقى كبيرة لما فيه من تعدٍّ على حدود الله وإفساد القلب.

من السلف الصالح:

  • قال ابن عباس رضي الله عنهما:
    "النظر إلى ما لا يحل من زنا العين".
  • قال الحسن البصري رحمه الله:
    "زنا العينين النظر، وهو بريد الزنا، فمن أطلق بصره أورد نفسه موارد الهلكة".

من أقوال العلماء:

  • قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي:
    "النظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظر يورث الخواطر، ثم الخواطر تورث الأفكار، ثم الأفكار تورث الشهوة، ثم الشهوة تورث الإرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل، ولا شك أن النظر سهم مسموم من سهام إبليس"

هل هو من الكبائر؟ • ذهب كثير من العلماء إلى أن النظر المحرم إذا كان عن عمد واستدامة بشهوة، فهو من الكبائر، لأنه ورد فيه الوعيد الشديد، ولأنه ذريعة مباشرة للزنا الفعلي، ولأنه فساد للقلب. • أما النظر الفجائي غير المقصود، فلا إثم فيه إذا صرف المسلم بصره فورًا

من السنة النبوية:

  • صحيح مسلم: 2159aعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه:
    قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي

التوبة من زنا العين تكون بـ: 1. الإقلاع فورًا عن النظر المحرم. 2. الندم على ما فات من التفريط. 3. العزم الصادق على عدم العودة. 4.إصلاح ما أفسده النظر بإشغال العين في طاعة الله، كالنظر في المصحف، أو في الكون للتفكر، أو في الوالدين برًّا. 5. الإكثار من الصيام وذكر الله وغض البصر، لقوله تعالى:

من القرآن الكريم:

  • النور: 30
    "قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ"

وإليك بعض الأمثلة العملية من سيرة السلف في غض البصر واجتناب زنا العينين: 1. أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كان شديد الحياء والتقوى، وقد ورد أنه إذا سمع أو رأى ما فيه ريبة، صرف بصره فورًا، وقال: "الحياء من الإيمان"، وكان يرى أن ضبط العينين أول طريق ضبط القلب. 2. عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان إذا مرّ في السوق، خفض بصره، حتى لا يقع على ما لا يرضي الله، وقال: "النظر سهم مسموم من سهام الشيطان، من تركه لله أبدله الله حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه". 3. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: كان إذا جلس في الطريق ينتظر أحدًا، جعل رأسه إلى الأرض، حتى لا تقع عيناه على شيء محرم، وقال: "كيف أطلب العلم وأعصي الله بعينيّ؟". 4. ابن سيرين رحمه الله: دخل عليه رجل، فوجد عينيه تدمعان، فقال: ما بك؟ قال: "نظرتُ نظرة ما كان ينبغي لي أن أنظرها، فأنا أستغفر الله منذ أيام". 5. الفضيل بن عياض رحمه الله: كان يقول: "من أطلق بصره طال حزنه، ومن غض بصره قرت عينه"، وكان إذا خرج من بيته لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا. هذه الأمثلة تظهر أن السلف كانوا يرون غض البصر عبادة قلبية تحفظ الإيمان، وتسد باب المعاصي قبل وقوعها، وأنهم كانوا يعدّون إطلاق النظر المحرم ذنبًا كبيرًا يستوجب التوبة الفورية، حتى لو كان لحظة عابرة. إليك 7 خطوات مختصرة لغض البصر والتوبة من زنا العينين على منهج السلف: 1. الإقلاع الفوري عن النظر المحرم. 2. الندم على ما مضى من التفريط. 3. العزم على عدم العودة. 4. الإكثار من ذكر الله والاستغفار. 5. شغل البصر بالطاعة: قراءة القرآن، النظر في المصحف، تأمل خلق الله. 6. البعد عن أماكن الفتنة ومواقعها. 7. الصيام لتقوية الإرادة وكسر الشهوة.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة