هل يجوز لطالب العلم الانتفاع بكتب من عنده أخطاء في العقيدة أو المنهج؟

السؤال: أحسن الله اليكم ما الضابط لطالب العلم في الانتفاع بكتاب لمؤلف عنده اخطاء في العقيدة او المنهج خاصة في كتب الفقه؟ وهل يشترط ان لا نأخذ العلم الا ممن هو واضح على منهج السلف ام يجوز الانتفاع مع الحذر والضوابط؟ مثال ذلك ابن رشد وكتابه بداية المجتهد وهو كتاب مشهور يدرس وينتفع به

ملخص الجواب:

الأصل أن طالب العلم يحرص على أخذ العلم عن أهل السنة المعروفين بصحة الاعتقاد وسلامة المنهج؛ لأن العلم دين، والعقيدة أصل الأصول. لكن لا يلزم من وجود خطأ عند مؤلف في العقيدة أو المنهج أن تُهجر جميع كتبه ويُمنع الانتفاع بها مطلقًا، بل يُنظر إلى نوع العلم المأخوذ منه، وإلى حال القارئ، وإلى مقدار الخطأ الموجود في الكتاب. فكتب الفقه واللغة والحديث والتفسير قد يُنتفع بها مع الحذر من أخطاء المؤلف، إذا كان القارئ مؤهلًا لمعرفة الحق من الباطل أو يقرأ على أهل العلم. ولهذا انتفع علماء أهل السنة بكتب طوائف من المخالفين مع التحذير من أخطائهم وعدم متابعتهم عليها.

الجواب:

أولًا: الأصل في تلقي العلم

من أقوال العلماء:

  • قال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله:
    "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم."
  • وروى عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه قال:
    "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء."

    ولهذا كان السلف يحذرون من تلقي أصول الاعتقاد عن أهل البدع؛ لأن المبتدع قد يدس بدعته في أثناء العلم.

  • وقال إبراهيم النخعي رحمه الله:
    "إنهم كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وصلاته وحاله."

    فالأصل تقديم أهل السنة في التلقي والتربية والتأصيل.

ثانيًا: هل كل من أخطأ يُهجر علمه كله؟ الجواب: لا. فهذا خلاف طريقة أهل السنة. فإن العلماء يفرقون بين: الانتفاع بعلم الرجل. قبول خطئه وبدعته. وقد امتلأت كتب أهل السنة بالنقول عن علماء وقع عندهم شيء من الخطأ أو التأويل أو البدعة. فالإمام أحمد بن حنبل روى عن جماعة من أهل الأهواء ممن كانوا صادقين في الرواية. واحتج البخاري ومسلم بأحاديث عدد من الرواة الذين وُجد عندهم شيء من البدعة غير المكفرة مع صدقهم وضبطهم.

من أقوال العلماء:

  • ونقل ابن تيمية قاعدة عظيمة فقال:
    "ليس كل من أخطأ في شيء من مسائل الاعتقاد أو غيرها يُهجر ويُبدع ويُترك جميع ما عنده من الحق."

    وبيّن أن الرجل قد يجتمع فيه سنة وبدعة، وحق وباطل.

ثالثًا: الفرق بين العلوم ليس الحكم في جميع العلوم سواء. باب العقيدة والمنهج. هذا الباب أشد الأبواب خطرًا. فلا يُنصح المبتدئ أن يتلقى العقيدة من كتب المتكلمين أو الفلاسفة أو رؤوس المبتدعة؛ لأن الخطأ فيها متعلق بأصول الدين. باب الفقه واللغة والنحو والطب والتاريخ الأمر فيه أوسع. فقد ينتفع المسلم من كتاب فقه أو لغة أو أصول أو حديث، مع رد ما فيه من الخطأ العقدي أو المنهجي. ولهذا انتفع العلماء بكتب كثيرة لمؤلفين عندهم مخالفات. رابعًا: مثال ابن رشد وكتاب "بداية المجتهد" بداية المجتهد ونهاية المقتصد من أشهر كتب الفقه المقارن. ومزية الكتاب أنه: يجمع أقوال الفقهاء. يذكر أدلتهم. يبين أسباب الخلاف. يربط الفروع بأصولها. ولهذا أثنى عليه كثير من أهل العلم في بابه. ومع ذلك فابن رشد ليست له العصمة، وعنده أخطاء وموافقات لبعض أصول المتكلمين والفلاسفة. لكن أهل العلم لم يتركوا الكتاب لأجل ذلك؛ لأن المقصود الانتفاع بما فيه من الفقه، مع عدم التسليم للمؤلف في كل ما يقرره. وهذا نظير انتفاع العلماء بكتب: النووي. ابن حجر العسقلاني. القرطبي. ابن عبد البر. مع التنبيه على ما عند بعضهم من أخطاء في بعض أبواب الصفات أو غيرها. خامسًا: الضابط الصحيح في الانتفاع يمكن تلخيص الضابط في أمور: أن يكون الأصل في الطلب والتلقي عن أهل السنة. ألا يقرأ المبتدئ كتب أهل البدع في أبواب الاعتقاد. أن يفرق بين الاستفادة من العلم وبين تقليد المؤلف. أن يُقبل الحق ويُرد الباطل. أن تُعرض أقوال العلماء على الكتاب والسنة وفهم السلف. أن يقرأ الكتب المشكلة على أهل العلم الراسخين. ألا يحمله خطأ العالم على إسقاط فضله وعلمه كله. وألا يحمله إعجابه بالعالم على قبول أخطائه.

من السلف الصالح:

  • قال مالك بن أنس رحمه الله:
    "كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر."

    وأشار إلى قبر النبي ﷺ.

النتيجة: منهج أهل السنة ليس هو هجر كل كتاب لمؤلف عنده خطأ في العقيدة أو المنهج، كما أنه ليس قبول كل ما في كتب العلماء بلا تمحيص. وإنما المنهج الوسط هو: تقديم أهل السنة في التلقي، والانتفاع بما عند العلماء من الحق، ورد ما أخطؤوا فيه، مع معرفة قدرهم وعدم الغلو فيهم ولا الجفاء عنهم. ولهذا جرى عمل العلماء قديمًا وحديثًا على الانتفاع بكتب مثل بداية المجتهد ونهاية المقتصد وغيرها من الكتب النافعة، مع التنبيه على ما فيها من أخطاء، تحقيقًا لقاعدة أهل السنة: يُقبل الحق ممن جاء به، ويُرد الباطل على قائله كائنًا من كان.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة