هل يُعذر بالجهل من اعتقد خلاف ما في القرآن ولم يكن يعلم حكم الكفر؟

السؤال: : السلام عليكم شيخ. أريد أن أعرف شيئًا واحدًا. قبل سنوات كثيرة عندما كان عمري 14 سنة، ارتكبت خطأ. كنت أعلم أن شيئًا ما مكتوب في القرآن، لكنني كنت أظن وأعتقد أن عكس ما هو مكتوب في القرآن سيحدث في المستقبل. ولم أكن أدرك أن فكرتي واعتقادي كانا خاطئين تمامًا. فهل يُعتبر هذا من الجهل؟ لم أكن أعرف ما هو الكفر في ذلك الوقت. فهل أُحاسب على ذلك؟ وهل صلواتي ودعواتي في ذلك الوقت صحيحة ومقبولة؟ وسؤال آخر: إذا كان شخص يجهل الحكم بأن الإنكار أو عدم التصديق بشيء من الإسلام عن علم يُعد كفرًا، ثم أنكر أو لم يصدق شيئًا من الإسلام، فهل يكون واقعًا في الكفر؟ وهل يُحاسب على ذلك؟

ملخص الجواب:

إذا كان ما وقع منك وأنت في الرابعة عشرة من عمرك ناشئًا عن الجهل والخطأ وسوء الفهم، ولم تكن تقصد تكذيب القرآن ولا ردَّ ما جاء به النبي ﷺ، وإنما ظننت أن الأمر سيكون على خلاف ما فهمته من الآية، فهذا يُعد من الجهل والخطأ في الاعتقاد والفهم، وليس من الكفر المخرج من الملة بمجرد ذلك. والأصل أن المسلم لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة الشرعية وتنتفي الموانع، ومن أعظم الموانع: الجهل والتأويل والخطأ. وعليه؛ فلا يلزم من ذلك بطلان صلاتك ولا دعائك، بل الأصل صحة عباداتك ما دمت مسلمًا ولم يقع منك كفرٌ بيقين. وأما من أنكر شيئًا من الإسلام وهو يجهل أن إنكاره كفر، فهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل؛ إذ ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، بل لا بد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع.

الجواب:

أولًا: حكم ما وقع منك في صغر السن

من القرآن الكريم:

  • البقرة: ٢٨٦
    رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

من السنة النبوية:

  • في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال :
    لَمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: {وإن تُبدوا ما في أنفُسِكُم أو تُخفوه يُحاسِبكُم به اللهُ} [البقرة: 284]، قال: دَخَلَ" قُلوبَهم مِنها شيءٌ لَم يَدخُلْ قُلوبَهم مِن شيءٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قولوا: سَمِعنا وأطَعنا وسَلَّمنا، قال: فألقى اللهُ الإيمانَ في قُلوبِهم، فأنزَلَ اللهُ تَعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إلَّا وُسعَها لها ما كَسَبَت وعليها ما اكتَسَبَت رَبَّنا لا تُؤاخِذنا إن نَسينا أو أخطَأنا} قال: قد فعَلتُ {رَبَّنا ولا تَحمِل علينا إصرًا كما حَمَلتَه على الذينَ مِن قَبلِنا} قال: قد فعَلتُ {واغفِرْ لنا وارحَمنا أنتَ مَولانا} قال: قد فعَلتُ.

من القرآن الكريم:

  • الأحزاب: ٥
    وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ

    فإذا كنت تعتقد شيئًا مخالفًا للواقع بسبب الجهل أو سوء الفهم، ولم تكن تقصد تكذيب القرآن أو ردَّ خبره، فإن هذا من باب الخطأ والجهل، لا من باب التكذيب المتعمد.

وقد قرر أهل السنة أن الجاهل والمخطئ والمتأول يُعذرون حتى تُقام عليهم الحجة

من أقوال العلماء:

  • قال ابن تيمية رحمه الله:
    "إني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب معين إلى تكفير أو تفسيق أو معصية إلا إذا عُلم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية."
  • وقال أيضًا:
    "ليس كل من أخطأ في شيء من مسائل الاعتقاد يكون كافرًا."

ثانيًا: هل تُقبل صلاتك ودعواتك في تلك الفترة؟ الأصل أنها صحيحة ومقبولة إن شاء الله؛ لأنك كنت مسلمًا، ولم يثبت أنك خرجت من الإسلام. والعبادات لا تُحكم ببطلانها بمجرد وجود جهل أو خطأ في بعض المسائل الاعتقادية التي لم يتعمد صاحبها تكذيب الوحي أو ردَّه. بل الله تعالى أرحم بعباده من أن يؤاخذهم بما وقعوا فيه من الخطأ والجهل الذي لم يتعمدوه. ثالثًا: هل الجهل بحكم الكفر يمنع وقوع الكفر؟ هذه المسألة تحتاج إلى التفصيل. • فمن أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة بعد قيام الحجة عليه وعلمه به وعمده إلى رده، فهذا كافر • أما إذا كان جاهلًا، أو حديث عهد بإسلام، أو نشأ في مكان يخفى فيه العلم، أو وقع في شبهة وتأويل، فإن أمره لا يُحكم فيه بمجرد الوقوع في القول أو الفعل حتى تُقام عليه الحجة الشرعية.

من القرآن الكريم:

  • الإسراء: ١٥
    وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
  • النساء: ١٦٥
    رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

من أقوال العلماء:

  • وقال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
    "إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل؟"

    وهذا يدل على اعتبار الجهل في الحكم على المعيَّن.

رابعًا: الفرق بين الجهل بالحكم والجهل بالمعلوم نفسه هناك فرق بين: من يعلم أن القرآن قال شيئًا ثم يتعمد تكذيبه وردَّه. ومن يظن أن معنى الآية كذا أو يفهمها خطأ أو يعتقد أمرًا بسبب الجهل وسوء الفهم. فالأول متعمد للتكذيب. وأما الثاني فمخطئ أو جاهل يحتاج إلى التعليم والبيان. ولهذا كان السلف يفرقون بين الوقوع في الكفر وبين تكفير المعيَّن. النتيجة • ما ذكرته عن نفسك وأنت في الرابعة عشرة لا يظهر منه الكفر إذا كان مجرد جهل أو سوء فهم أو اعتقاد خاطئ لم تقصد به تكذيب القرآن وردَّه. • الجهل والخطأ والتأويل من الموانع التي تمنع المؤاخذة والحكم على المعيَّن بالكفر حتى تقوم عليه الحجة. • الأصل صحة صلاتك ودعائك وعباداتك في تلك الفترة، ولا يلزمك إعادة شيء منها. • ليس كل من وقع في قول أو اعتقاد كفري يُحكم بكفره مباشرة؛ بل لا بد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع. • الواجب على المسلم إذا تبين له الحق أن يعتقد ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ويتوب من كل خطأ أو اعتقاد باطل، والله تعالى يقبل التوبة ويعفو عن الخطأ والجهل. والله أعلم.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة