كيف يطلب المسلم العامل علم الفقه إذا لم يتيسر له التلقي المباشر عن شيخ؟
السؤال: : أنا رجل أعمل ولدي مسؤوليات أسرية. أعمل في مكتب، ومع أن لدي بعض الوقت الفراغ أثناء اليوم، إلا أنني لا أستطيع السفر أو التفرغ لطلب العلم بدوام كامل. ومنَّ الله عليَّ بالهداية إلى المنهج السلفي منذ نحو سنتين. ولكن منذ ذلك الحين لم ألتقِ في منطقتي بأي شيخ سلفي، ولا حتى طالب علم سلفي، أتمكن من التلقي عنه مباشرة. وقد درست بعض المتون الأساسية في العقيدة، وأرغب الآن في أن أبدأ بدراسة الفقه دراسةً صحيحة، وأن أبني فيه أساسًا متينًا. ولدي رغبة شديدة في طلب العلم، لكنني كثيرًا ما أسمع العلماء يحذرون من طلب العلم دون شيخ. وفي الوقت نفسه، يصعب عليَّ في الوقت الحاضر أن أدرس على يد شيخ بسبب ظروف عملي وأحوالي المالية. فسؤالي هو: ما الذي ينبغي لمن كان في مثل حالي أن يفعله؟ وهل يجوز لي أن أواصل دراسة الفقه من خلال الكتب والدروس المسجلة، مع عدم تمكني من التلقي المباشر عن شيخ؟
ملخص الجواب:
من كان صادقًا في طلب العلم، ولكن حال بينه وبين ملازمة العلماء العملُ أو ضيقُ المال أو بُعدُهم، فلا يترك طلب العلم، بل يجتهد فيما يقدر عليه؛ فيقرأ الكتب المعتمدة، ويستمع إلى دروس العلماء الثقات، ويجعل له شيخًا يتابعه عن بُعد إن تيسر، ويسأل أهل العلم عما أشكل عليه، ولا يستقل بفهمه، ولا يتصدر للتعليم أو الفتوى قبل التأهل.
الجواب:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما ذكرته من حرصك على طلب العلم مع وجود مسؤوليات العمل والأسرة هو حال كثير من المسلمين، ولا ينبغي أن يكون ذلك سببًا لترك التعلم أو اليأس منه، فإن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وقد جعل الله سبحانه طلب العلم من أفضل القربات، فقال:
من القرآن الكريم:
- محمد: ١٩
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ
فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
- المجادلة: ١١
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
- النحل: ٤٣
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
من السنة النبوية:
- وفي الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال : قال النبي ﷺ:
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
- وفي صحيح أبي داود من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال ﷺ:
«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ».
فهذه النصوص تدل على فضل طلب العلم، ولم تقيِّده بكون الإنسان متفرغًا أو غير متفرغ، بل كلٌّ يعمل بحسب استطاعته.
• هل يشترط وجود شيخ؟ الأصل أن العلم يُؤخذ عن أهله؛ لأن العلماء يبينون المشكل، ويصححون الخطأ، ويضبطون الفهم. • وقد كان السلف يحرصون على ملازمة العلماء.
من أقوال العلماء:
- قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
- وقال محمد بن سيرين رحمه الله:
إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وقد قالوا قديماً : من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه
لكن إذا تعذر حضور مجالس العلماء، فلا يعني ذلك ترك طلب العلم؛ فإن الواجب أن يتعلم المسلم بما يستطيع، والله تعالى يقول:
من القرآن الكريم:
- التغابن: ١٦
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
ولهذا كان كثير من أهل العلم يقرؤون الكتب، ويرحلون عند القدرة، ويكاتبون العلماء، ويسألونهم عما أشكل عليهم. • هل يجوز التعلم من الكتب والدروس المسجلة؟ نعم، إذا كانت الدروس والكتب لعلماء ثقات معروفين بصحة العقيدة وسلامة المنهج، وكان الطالب يسير بالتدرج، ويعرض ما أشكل عليه على أهل العلم، فلا حرج في ذلك، بل قد يكون هو الطريق المتيسر في هذا العصر لمن تعذر عليه الحضور. لكن ينبغي أن يعلم أن الكتب والدروس لا تغني غناءً كاملاً عن الشيخ؛ لأن الشيخ يصحح الأخطاء، ويكشف الإشكالات، ويعرف حال الطالب.
من أقوال العلماء:
- كلام الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
نصيحة الشيخ لمن يطلب العلم على الكتب بدون شيخ .؟ وماهي الكتب التي ينصح بها ؟ الحقيقة أنه إذا لم يوجد معلم في بلد ما فإن المسألة خطيرة، لأن مراجعة الإنسان الكتب لوحده وهو لم يسبق له طلب علم قد يفهم الكتاب خطأً، فيعتمد على فهمه، فَيَضلّ ويُضِل، فلابد من التعلم على عالم، سواء تعلم مع العالم مباشرة، أو بواسطة كتبه الواضحة البينة، أو أشرطته، أما أن يمسك العامي الكتاب ثم يذهب ليخبر به: الحكم كذا والحكم كذا فهذا خطأ، ولكن لعل أحداً منهم يقدم إلى البلاد العربية والإسلامية يتعلم في الجامعات ثم يرجع إلى قومه فينذرهم، كما قال الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ يعني: وقعد طائفة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ وكذلك الجن صرف الله إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفراً منهم يستمعون القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ فحسن لهؤلاء أن ينبعث منهم أحد تقوم به الكفاية ليتعلم على العلماء في البلاد الإسلامية، ثم يرجع إلى قومه فينذرهم.
• حكم أخذ العلم من الكتب دون الرجوع إلى العلماء
من أقوال العلماء:
- وقال عبد العزيز بن باز رحمه الله:
الجواب: نعم إذا كان الشخص عامياً وليس عنده أدوات العلم ولم يتعلم ما يؤهله لمطالعة الكتب فإنه لا يستفيد الفائدة المطلوبة قد يستفيد إذا كان يفهم العربية قد يستفيد وإذا كان بلغته قد يستفيد إذا كان يفهم كما يستفيد من كلام الله إذا قرأ القرآن يستفيد باللغة التي يفهمها، لكن ما يستفيد الفائدة الكاملة العظيمة إلا إذا تعلم على أهل العلم...
• كيف تبدأ دراسة الفقه؟ إذا كنت قد انتهيت من دراسة شيء من العقيدة، فابدأ بالفقه على منهج واحد، ولا تتنقل بين الكتب في البداية. • ومن النصائح المهمة: اختر متنًا فقهيًا مختصرًا مع شرح عالم موثوق. الزم شرح شيخ واحد حتى تنتهي من الكتاب. لا تنتقل بين أقوال العلماء في كل مسألة قبل التأصيل. احفظ التعريفات والقواعد المهمة. دوّن الفوائد والأسئلة. إذا أشكل عليك شيء فاسأل أهل العلم، ولو عبر وسائل الاتصال الموثوقة. خصص وقتًا ثابتًا يوميًا، ولو ثلاثين دقيقة، فإن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. لا تستعجل دراسة الخلاف العالي قبل إتقان أصول الفقه وأبوابه. احذر من أمور لا تعتمد على نفسك في الترجيح بين الأقوال قبل التأهل. لا تجعل وسائل التواصل مصدرًا للتلقي. لا تأخذ العلم من المجهولين أو أصحاب الأهواء. لا تنشغل بكثرة الردود والمناظرات قبل بناء أصل علمي متين. لا تحتقر العلم القليل؛ فإن العلم يُؤخذ شيئًا فشيئًا.
من السنة النبوية:
- وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال النبي ﷺ:
إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُه مِنَ العِبادِ، ولَكِن يَقبِضُ العِلمَ بقَبضِ العُلَماءِ، حتَّى إذا لَم يُبقِ عالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتَوا بغيرِ عِلمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا.
• توجيه عملي أنصحك أن تجعل لنفسك برنامجًا ثابتًا يناسب ظروفك: مراجعة شيء من القرآن يوميًا. درس فقهي يومي أو عدة مرات في الأسبوع من شيخ واحد. قراءة مختصر فقهي مع الشرح. تدوين الفوائد والإشكالات. سؤال أهل العلم عما يشكل عليك. الحرص على حضور الدروس المباشرة متى تيسر ذلك، ولو في الإجازات أو بين حين وآخر. واعلم أن كثيرًا من كبار العلماء كانوا يطلبون العلم مع المشقة، ولم يمنعهم الفقر ولا كثرة المسؤوليات من مواصلة السير، وإنما بلغوا بالصبر والمداومة والإخلاص. النتيجة: وجود الشيخ هو الأكمل والأفضل، لكن من تعذر عليه ذلك لعذر معتبر، فلا يترك طلب العلم، بل يواصل التعلم من الكتب المعتمدة والدروس الموثوقة، مع الحرص على سؤال أهل العلم عند الإشكال، والالتزام بالتدرج، وعدم الاستقلال بالترجيح أو الفتوى حتى يرسخ علمه. ومن صدق مع الله، وبذل وسعه، ويسَّر الله له أسباب العلم، فإن الله سبحانه وعد أهل التقوى والهداية بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
منهجية وشروط دراسة الكتب الستة الحديثية
يقول السائل: ما هي الشروط المسبقة لطالب العلم ليبدأ في دراسة الكتب الستة الحديثية وغيرها مثل الموطأ، وهل ينبغي له أن يصل إلى مستوى معيَّن في علم الحديث، والنحو، والصرف، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم قبل دراسة هذه الكتب؟
كيف يجمع الشاب المسلم بين طلب العلم الشرعي والدراسة الجامعية والتجارة؟
ما نصيحتكم لشابٍّ يبلغ من العمر ستةَ عشرَ عامًا يسعى لطلب العلم الشرعي، وحفظ القرآن، وفي الوقت نفسه يدرس في الكلية ويفكّر في العمل أو التجارة؟