لماذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حسبنا كتاب الله" في مرض النبي ﷺ الأخير؟

السؤال: لماذا منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إحضار الكتف والدواة للنبي ﷺ؟ فقد قال: "حسبنا كتاب الله". فهل كان يرى أن القرآن وحده يكفي دون السنة؟ أليس في ذلك تعارض أو تناقض؟

ملخص الجواب:

ليس في قول عمر رضي الله عنه: «حسبنا كتاب الله» دليل على إنكار السنة أو الاكتفاء بالقرآن دونها، فهذا فهم باطل يخالف ما عُرف من سيرته، فقد كان عمر من أعظم الناس تعظيمًا لسنة النبي ﷺ واتباعًا لها. وإنما قال ذلك باجتهاد منه؛ لما رأى شدة مرض النبي ﷺ، وظن أن الأمر ليس على سبيل الوجوب، وأن القرآن قد كمل، وأن الله قد أتم الدين، فأراد التخفيف عن النبي ﷺ. وقد أقره جماعة من الصحابة، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ بعد ذلك، فدل على أن الأمر لم يكن واجبًا.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

من السنة النبوية:

  • ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال في مرض موته:
    «لَمَّا اشتَدَّ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَعُه قال: ائتوني بكِتابٍ أكتُبْ لكم كِتابًا لا تَضِلُّوا بَعدَه، قال عُمَرُ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَلَبَه الوجَعُ، وعِندَنا كِتابُ اللهِ حَسبُنا. فاختَلَفوا وكَثُرَ اللَّغَطُ، قال: قوموا عَنِّي، ولا يَنبَغي عِندي التَّنازُعُ، فخَرَجَ ابنُ عَبَّاسٍ يقولُ: إنَّ الرَّزيَّةَ كُلَّ الرَّزيَّةِ ما حالَ بينَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبينَ كِتابِه. »

هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي يستدل بها أهل السنة على كمال حرص النبي ﷺ على هداية أمته، كما أنه من أكثر الأحاديث التي حرّف أهل البدع معناه للطعن في الصحابة، ولا سيما في عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأهل السنة والجماعة يجمعون بين جميع النصوص، ويحملون كلام الصحابة على أحسن المحامل، ويعتقدون عدالتهم وفضلهم، امتثالًا لقول الله تعالى:

من القرآن الكريم:

  • التوبة: ١٠٠
    وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ... رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ

أولًا: شرح الحديث

من السنة النبوية:

  • صحيح البخاريعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:
    «لَمَّا اشْتَدَّ بالنَّبيِّ ﷺ وَجَعُه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده... فقال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندكم كتاب الله حسبنا...»

معنى قوله ﷺ: « ائتوني بكِتابٍ أكتُبْ لكم كِتابًا لا تَضِلُّوا بَعدَه » أي: أراد أن يكتب لهم كتابًا يشتمل على مزيد تأكيد لبعض الأمور التي تحفظ الأمة من الاختلاف. ولم يكن هذا الكتاب وحيًا واجبًا تبليغه؛ لأن النبي ﷺ لم يكتبه بعد ذلك، ولو كان واجبًا لما تركه؛ إذ قال الله تعالى:

من القرآن الكريم:

  • المائدة: ٦٧
    يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ
  • المائدة: ٣
    الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

    فالدين قد كمل قبل وفاة النبي ﷺ.

من أقوال العلماء:

  • قال أبو العباس القرطبي رحمه الله :
    وقوله: ( ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده ): لا شك في أن ( ائتوني ) أمرٌ، وطلبٌ، توجَّه لكل مَن حضر، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال، ولا سيما وقد قرنه بقوله: ( لا تضلُّون بعده )

ثانيًا: لماذا قال عمر رضي الله عنه: « كِتابُ اللهِ حَسبُنا »؟ لم يقصد عمر رضي الله عنه أبدًا: أن السنة ليست حجة. أو أن القرآن يكفي دون السنة. أو رد كلام النبي ﷺ. فهذا باطل، وعمر من أعظم الناس تعظيمًا للسنة. وإنما رأى رضي الله عنه أن: المرض قد اشتد بالنبي ﷺ. وخشي أن يشق عليه. ورأى أن القرآن قد اكتمل نزوله، وأن أصول الدين قد تمت.

من أقوال العلماء:

  • قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله :
    "كان قصد عمر (رضي الله عنه) التخفيف عن رسول الله ﷺ حين غلبه الوجع."
  • وقال النووي رحمه الله:
    "قول عمر (رضي الله عنه) كان من قوة فقهه ودقيق نظره."

ثالثًا: هل أخطأ عمر؟ نعم، يجوز أن يقال: اجتهد عمر رضي الله عنه، وكان غيره من الصحابة يرى خلاف اجتهاده. ولهذا وقع الاختلاف بينهم. والصحابي قد يجتهد فيصيب أو يخطئ، لكن خطأ المجتهد مغفور

من السنة النبوية:

  • وفي الصحيحين من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قل:
    قال النبي ﷺ: « إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فلَه أجرانِ، وإذا حَكَمَ فاجتَهَدَ ثُمَّ أخطَأ فلَه أجرٌ..»

    ولم يذم النبي ﷺ عمر (رضي الله عنه) وحده، وإنما قال للجميع: «قوموا عَنِّي، ولا يَنبَغي عِندي التَّنازُعُ.» فلو كان عمر مرتكبًا لمعصية عظيمة أو رادًا للوحي لأنكر عليه النبي ﷺ تصريحًا.

رابعًا: لماذا لم يكتب النبي ﷺ الكتاب بعد ذلك؟ وهذه من أقوى حجج أهل السنة. فقد عاش النبي ﷺ بعد ذلك أيامًا. وكان يستطيع أن يقول: أحضروا الكتاب الآن. لكنه لم يفعل. فدل ذلك على أن الكتاب لم يكن واجبًا كتابته. ولو كان من أصول الدين لما تركه.

من أقوال العلماء:

  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه ، أو يبلغه في ذلك الوقت ؛ إذ لو كان كذلك : لمَا ترك صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به .

    "منهاج السنة النبوية " ( 6 / 315 ، 316 )

  • وقال رحمه الله :
    ولا يجوز له ترك الكتاب لشك مَن شك ، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته : لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّنه ، ويكتبه ، ولا يلتفت إلى قول أحدٍ ؛ فإنه أطوع الخلق له ، فعُلم أنه لما ترك الكتاب : لم يكن الكتاب واجباً ، ولا كان فيه من الدِّين ما تجب كتابته حينئذ ، إذ لو وجب : لفعله .

    " منهاج السنة النبوية " ( 6 / 12 ) .

خامسًا: ما معنى قول ابن عباس رضي الله عنه: « إنَّ الرَّزيَّةَ كُلَّ الرَّزيَّةِ »؟ أي: إن المصيبة أن الاختلاف واللغط حالا بين النبي ﷺ وبين كتابة ذلك الكتاب. وهذا اجتهاد من ابن عباس رضي الله عنهما. وليس معناه: أن الدين نقص. ولا أن شيئًا من الوحي ضاع. ولا أن الصحابة كتموا شيئًا. لأن الله تعالى تكفل بحفظ الدين. وأما كلام ابن عباس رضي الله عنهما : فليس فيه طعن بالصحابة رضي الله عنهم ، وهو ممن بايع الصدِّيق ، والفاروق بعده ، وإنما أراد أن الحائل نفسه كان مصيبة ؛ لظهور الفتنة بعد ذلك ، والطعن في أولئك الأعلام .

من أقوال العلماء:

  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    وقول ابن عباس (رضي الله عنه) " إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب " : يقتضي أن هذا الحائل كان رزية ، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصدِّيق ، أو اشتبه عليه الأمر ؛ فإنه لو كان هناك كتاب : لزال هذا الشك ، فأما مَن علم أن خلافته حق : فلا رزية في حقه ، ولله الحمد .

    " منهاج السنة النبوية " ( 6 / 11 )

وقول ابن عباس رضي الله عنه هذا إنما هو اجتهاد منه ، ولا شك أن عمر أعلم وأجل من ابن عباس ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ترك الكتابة ، وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عمر (رضي الله عنه) ، هو ترجيح لرأيه ، وتصويب لفعله .

من أقوال العلماء:

  • قال النووي رحمه الله :
    فكان عمر (رضي الله عنه) أفقه من ابن عباس ، وموافقيه .

    " شرح مسلم " ( 11 / 77 ) .

  • وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
    وفي تركه صلى الله عليه وسلم الإنكار على عمر : إشارة إلى تصويبه رأيه ، وأشار بقوله " حسبنا كتاب الله " إلى قوله تعالى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ، ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى ما هو فيه من شدة الكرب ، وقامت عنده قرينة بأن الذي أراد كتابته ليس مما لا يستغنون عنه ؛ إذ لو كان من هذا القبيل : لم يتركه صلى الله عليه وسلم لأجل اختلافهم . ولا يعارض ذلك قول بن عباس(رضي الله عنه) " إنَّ الرزيَّةَ " الخ ؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعاً .

    " فتح الباري " ( 8 / 134 )

وبه يتبين لك بطلان ادعاء الرافضة ، في طعنهم في الصحابة رضي الله عنهم ، وخصوصاً عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ويتبين صدق السلف في أنهم أكذب الطوائف المنتسبة للإسلام ، فاحذرهم على دينك أخي السائل ، ونسأل الله لك الثبات على الإسلام والسنَّة . سادسًا: الرد على أهل البدع الشبهة الأولى: يقولون: عمر منع النبي من كتابة الوصية. الجواب: لو كان النبي ﷺ يريد أمرًا واجبًا لأمرهم مرة أخرى بعد هدوء الخلاف، ولم يمنعه أحد. الشبهة الثانية: يقولون: كان يريد أن ينص على خلافة علي رضي الله عنه. هذا باطل من وجوه: لم يرد في حديث صحيح أنه أراد كتابة اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. النبي ﷺ لو أراد ذلك لصرح به. قد خطب في عشرات الآلاف في غدير خم، ولم يقل: "هذا خليفتي من بعدي". بل قال في مرضه:

من السنة النبوية:

  • صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها واستنبط الصحابة من ذلك تقديم أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
    « مُروا أبا بَكرٍ يُصَلِّي بالنَّاسِ.»

الشبهة الثالثة: يقولون: عمر (رضي الله عنه) كان يرى القرآن دون السنة. وهذا من أبطل الباطل. فقد كان عمر من أكثر الناس تعظيمًا لسنة النبي ﷺ، يُروى عنه : "لا يغرنكم من قرأ القرآن، إنما هو كلام، ولكن انظروا من يعمل به." وكان يقضي بالسنة، ويرجع إليها، ويأمر الناس باتباعها. الشبهة الرابعة: قول عمر (رضي الله عنه): "حسبنا كتاب الله" دليل على إنكار السنة. ليس كذلك. فإن القرآن نفسه يأمر باتباع السنة:

من القرآن الكريم:

  • الحشر: ٧
    وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
  • النساء: ٨٠
    مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ

فكيف يكون عمر (رضي الله عنه) منكرًا للسنة وهو الذي كان يحكم بها ويعلمها الناس؟ سابعًا: الفوائد العقدية والفقهية كمال شفقة النبي ﷺ على أمته. جواز اجتهاد الصحابة في حياة النبي ﷺ فيما لم يرد فيه نص قاطع. فضل عمر رضي الله عنه، وأن اجتهاده كان بقصد التخفيف عن النبي ﷺ. أن الاختلاف عند النبي ﷺ مذموم. أن الدين قد كمل قبل وفاة النبي ﷺ. أن الصحابة كلهم عدول، ولا يجوز اتخاذ هذه الحادثة وسيلة للطعن فيهم. أن السنة وحي يجب اتباعه، وأن قول عمر لا يدل على إنكارها بحال. النتيجة: هذا الحديث ليس فيه طعن في عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا يدل على أن القرآن يغني عن السنة، ولا على أن النبي ﷺ مُنع من تبليغ شيء من الدين. وإنما وقع اجتهاد من بعض الصحابة عند اشتداد مرض النبي ﷺ، فرأى عمر التخفيف عنه، ورأى غيره إحضار الكتاب، فلما كثر الاختلاف قال النبي ﷺ: «قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع.» ثم لم يطلب الكتاب بعد ذلك، فدل على أن ما أراد كتابته لم يكن أمرًا واجبًا لا بد من تبليغه، وأن الدين قد كمل، وأن الأمة لم يُحجب عنها شيء من الوحي، كما يزعم أهل الأهواء.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة