ما الحكم الصحيح للخروج على الحاكم الظالم، وما الشروط التي يجب توافرها لذلك؟

السؤال: ما هو الطريقة الصحيحة للخروج على الحاكم الظالم؟ كي لا نكون كالذين يحرمونه تحريم مطلق وكالذين يجوزون الخروج مطلقاً… ما هو الشروط الذي يجب توفرها في هذه المسألة

ملخص الجواب:

الأصل المقرر عند أهل السنة والجماعة، وعلى منهج السلف الصالح، تحريم الخروج على الحاكم المسلم لمجرد ظلمه أو فسقه أو جوره، ما دام لم يظهر منه كفر بواح، عليه برهان واضح من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وليس هذا التحريم مطلقًا في جميع الأحوال؛ فقد جاءت السنة باستثناء حالة ظهور الكفر البواح، لكن ذلك لا يعني جواز الخروج بمجرد وقوع الكفر، بل لا بد من تحقق الشروط الشرعية وانتفاء الموانع، ومنها القدرة، وألَّا يترتب على ذلك من المفاسد ما هو أعظم.

الجواب:

أولًا: الأدلة من الكتاب والسنة

من القرآن الكريم:

  • [النساء: ٥٩
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

    فأمر الله بطاعة ولاة الأمور في المعروف، وليست طاعتهم مطلقة، بل مقيدة بطاعة الله ورسوله ﷺ.

من السنة النبوية:

  • رواه البخاري ومسلم.وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:
    «بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ».

    وهذا الحديث أصل في المسألة؛ إذ نهى النبي ﷺ عن منازعة الحكام سلطانهم، واستثنى من ذلك ظهور الكفر البواح الذي قام عليه البرهان الشرعي.

  • رواه مسلم.وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
    «أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ».

    فدل الحديث على أن وقوع الحاكم في المعاصي لا يبيح الخروج عليه

  • رواه البخاري ومسلم.وعن علي رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
    «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»

    فلا تجوز طاعة الحاكم في معصية الله، لكن الامتناع عن طاعته في المعصية لا يستلزم الخروج عليه.

ثانيًا: شروط الخروج على الحاكم عند أهل السنة والجماعة. ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله خمسة شروط، أربعة منها مستفادة من حديث عبادة بن الصامت، والخامس من أدلة الاستطاعة. ويضاف إليها اعتبار المصالح والمفاسد. ١. تحقق العلم واليقين: فلا يُبنى الحكم على الشائعات والظنون والأخبار غير الثابتة. ٢. أن يكون الواقع كفرًا أكبر: فلا يكفي مجرد الظلم أو الفسق أو ارتكاب الكبائر. ٣ . أن يكون الكفر بواحًا: أي ظاهرًا صريحًا لا يحتمل تأويلًا معتبرًا. ٤. قيام البرهان الشرعي: بأن يدل الكتاب والسنة دلالة واضحة على أن الفعل كفر أكبر، مع مراعاة شروط التكفير وموانعه في حق الشخص المعين. ٥. وجود القدرة والاستطاعة: فلا يجوز الإقدام على مواجهة يعجز أصحابها عن تحقيق المقصود منها. ٦. ألَّا تترتب مفسدة أعظم: كإراقة الدماء بغير حق، أو انتشار الفوضى، أو ضياع الأمن، أو حلول شر أعظم من الشر المراد إزالته. وهذه المسائل العظيمة يُرجع في تقديرها إلى أهل العلم الراسخين وأهل الخبرة، وليست موكولة إلى اجتهاد الأفراد والجماعات المتعجلة. ثالثًا: أقوال أهل العلم

من أقوال العلماء:

  • الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
    بيّن أن الخروج لا يجوز إلا مع ظهور الكفر البواح ووجود القدرة على إزالة الحاكم من غير وقوع شر أعظم، وأن الواجب عند عدم تحقق ذلك الصبر، والنصيحة، والإصلاح، وتقليل الشر.
  • . الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
    فصّل شروط حديث عبادة رضي الله عنه، وذكر أن تحقق الكفر البواح لا يكفي وحده، بل لا بد من القدرة على الإزالة، والنظر فيما يترتب على ذلك من المصالح والمفاسد.

النتيجة: مذهب أهل السنة والجماعة وسط بين طرفين: فلا يجعلون ظلم الحاكم وفسقه مسوِّغًا للخروج عليه، ولا يقولون بتحريم الخروج في جميع الأحوال دون استثناء. بل يلتزمون بالنصوص الشرعية التي استثنت الكفر البواح، مع اشتراط القدرة وانتفاء المفسدة الأعظم. أما الحاكم المسلم الظالم الذي لم يظهر منه كفر أكبر، فالواجب الصبر على جوره، وعدم طاعته في المعصية، ومناصحته بالطرق الشرعية، والسعي في الإصلاح ورفع الظلم بالوسائل المشروعة. فليس كل ظلم كفرًا، وليس كل كفر موجبًا للخروج دون تحقق الشروط، ولا يجوز إزالة المنكر بمنكر أعظم منه.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة