ما حكم استخدام الكحول في النكهات والتعقيم، وبقاء آثاره في المنتج النهائي؟
السؤال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ هل استخدام الكحول في عملية إضافة النكهات حرام؟ وهل يحرم تناول المنتجات التي استُخدم الكحول في تصنيعها؟ فمثلًا: استخدام الكحول في صناعة مسحوق بنكهة الفانيليا أو الكريمات ونحو ذلك. وكذلك ما حكم استخدام الكحول في تعقيم المعدات وفي عمليات إضافة النكهات، مما قد يؤدي إلى وجود آثار يسيرة من الكحول في المنتج النهائي؟
ملخص الجواب:
ينبغي أولًا التفريق بين الكحول (Alcohol) وبين الخمر؛ فليس كل ما يسمى كحولًا خمرًا شرعًا، والكحولات أنواع متعددة، والحكم يتعلق بحقيقة المادة واستعمالها وأثرها. وأما الخمر المسكر فشربه حرام قطعًا، لكن الراجح أن الخمر ليست نجسة نجاسة حسية، وإنما نجاستها معنوية، وهو اختيار جماعة من أهل العلم، ورجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، كما قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن الكحول غير نجسة شرعًا. وعليه: يجوز استعمال الكحول في تعقيم المعدات، كما يجوز استعمال نسبة يسيرة منه في تصنيع النكهات كالفانيليا إذا كان الغرض منه الإذابة أو الاستخلاص، ثم تلاشى أو استُهلك ولم يبق في المنتج النهائي أثر مسكر؛ فلا يحرم المنتج لمجرد استعمال الكحول أثناء التصنيع. أما إذا أضيفت الخمر نفسها إلى الطعام، أو بقي من المادة المسكرة في المنتج مقدار بحيث يكون كثير المنتج مسكرًا، فلا يجوز تناوله. وقد نص مجمع الفقه الإسلامي على جواز الأغذية التي تستعمل في تصنيعها نسبة ضئيلة من الكحول لإذابة المواد التي لا تذوب بالماء مع تبخر وتلاشي معظمها أثناء التصنيع.
الجواب:
الجواب التفصيلي
أولًا: الفرق بين الكحول والخمر
هذه نقطة مهمة؛ فلا يصح جعل لفظ «الكحول» مرادفًا دائمًا لـ «الخمر».
الخمر شرعًا: كل شراب مسكر
من السنة النبوية:
- وقد ثبت في صحيح مسلبم من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال ﷺ
« كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ»
- و في صحيح النسائي من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال ﷺ
« ما أسْكرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ».
أما الكحول فهو اسم لمجموعة من المركبات الكيميائية، وليست جميع أنواع الكحول مما يشرب أو يسكر أو يأخذ حكم الخمر. ولهذا ينبغي عند النظر في منتج غذائي ألا يقال بمجرد رؤية كلمة Alcohol: «هذا خمر، فهو حرام»، بل ينظر في نوع الكحول، ومصدره، والغرض من استعماله، ونسبته، وهل بقي له أثر في المنتج النهائي أم استُهلك وتلاشى.
من أقوال العلماء:
- وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
«مادة الكحول غير نجسة شرعًا... سواء أكان الكحول صرفًا أم مخففًا بالماء».
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن الاستحالة والاستهلاك والمواد المضافة في الغذاء والدواء.
ثانيًا: الخمر حرام، لكن الراجح أنها طاهرة حسًّا ينبغي التفريق بين التحريم والنجاسة؛ فليس كل محرم نجسًا.
من القرآن الكريم:
- المائدة: ٩٠
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
فالخمر حرام قطعًا، ولكن الراجح أنها ليست نجسة نجاسة حسية.
من أقوال العلماء:
- وقد رجح الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله هذا القول، وقال:
«الخمر الخالص ليس بنجس، ولا يجب غسل الثياب منه ولا الأبدان».
ثالثًا: أدلة طهارة الخمر ومن أهم الأدلة: 1. الأصل في الأشياء الطهارة ولا يوجد دليل صريح صحيح يدل على أن عين الخمر نجسة نجاسة حسية، ومجرد التحريم لا يستلزم النجاسة؛ فالسم مثلًا محرم تناوله وليس نجسًا. وهذا من الأدلة التي قررها الفقهاء رحمه الله. . إراقة الصحابة الخمر في طرق المدينة لما نزل تحريم الخمر أراق الصحابة رضي الله عنهم الخمر، حتى جرت في سكك المدينة. ولو كانت الخمر نجاسة حسية كالبول، لما أقرهم النبي ﷺ على صب النجاسة في طرق المسلمين. وقد استدل الشيخ ابن عثيمين وغيرهم من العلماء بهذا فقالوا: إن الصحابة لما حرمت الخمر «أراقوها في الأسواق»، ولو كانت نجسة لما أقرهم النبي ﷺ على تلويث أسواق المسلمين بها. . لم يأمرهم النبي ﷺ بغسل أواني الخمر عند تحريم الخمر لم ينقل أن النبي ﷺ أمر الصحابة بغسل أوانيها، مع أنه أمر بغسل القدور من لحوم الحمر الأهلية. وهذا مما استدل به الشيخ ابن عثيمين وغيرهم على طهارة الخمر. . حديث الرجل الذي أراق راوية الخمر
من السنة النبوية:
- أخرجه مالك بلفظه، ومسلمقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: فَسَارَّ إِنْسَانًا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» قَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا». قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا.
وهذا دليل آخر على طهار الخمر رحمه الله.
معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
من أقوال العلماء:
- قال الشيخ ابن العثيمين :
هل الخمر نجسة أو ليست بنجسة؟ أكثر أهل العلم على أن الخمر نجسة مستدلين (بهذه الآية) ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن الخمر طاهرة من حيث الطهارة الحسية الرجس هنا على الراجح رجس معنوي عملي، وليس المراد النجاسة الحسية؛ لأن الله قرن الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام، وهذه ليست أعيانًا نجسة نجاسة حسية.
- ثم قال الشيخ ابن عثيمين:
«يراد بها الرجس المعنوي العملي؛ ولهذا قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾». فهذه الأدلة مجتمعة تقوي القول بأن الخمر محرمة ولكنها طاهرة من جهة النجاسة الحسية.
رابعًا: استعمال الكحول في تعقيم المعدات لا حرج في استعمال الكحول لتعقيم آلات ومعدات تصنيع الأغذية؛ لأن هذا ليس شربًا له، ولا يلزم منه تنجيس الآلات على القول الراجح بطهارته.
من أقوال العلماء:
- وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي صراحة:
«فلا حرج شرعًا من استخدام الكحول طبيًا كمطهر... والأدوات، وقاتل للجراثيم».
- وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في استعمال المواد الكحولية في التطهير:
«والذي أرى في هذا أنه لا بأس باستعمالها في هذه الأشياء؛ لأن الناس في حاجة إلى ذلك».
إذن تعقيم معدات مصنع الطعام بالكحول لا يجعل الطعام المنتج عليها حرامًا ولا نجسًا، خصوصًا بعد جفاف المادة وتبخرها.
خامسًا: استعمال الكحول في صناعة النكهات والفانيليا هذه أقرب صورة إلى سؤال السائل. قد يستخدم الكحول بوصفه مذيبًا أو وسيطًا لاستخلاص النكهة؛ ومن الأمثلة المعروفة استخلاص نكهة الفانيليا. وهنا لا يكفي أن نقول: «استُعمل الكحول، إذن المنتج حرام»، بل ينظر إلى المنتج النهائي.
من أقوال العلماء:
- وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
«المواد الغذائية التي يستعمل في تصنيعها نسبة ضئيلة من الكحول لإذابة بعض المواد التي لا تذوب بالماء من ملونات وحافظات وما إلى ذلك، يجوز تناولها... ولتبخر وتلاشي معظم الكحول المضاف في أثناء تصنيع الغذاء».
وهذا النص قريب جدًا من صورة السؤال. كما جاء في فتوى خاصة بالفانيليا أن خلاصة الفانيليا قد تحضر بنقعها في الكحول والماء، وأن استعمالها جائز إذا كان ما بقي من الكحول مستهلكًا لا يظهر له أثر ولا يؤدي إلى الإسكار. سادسًا: الضابط في النسبة اليسيرة من المادة المسكرة
من أقوال العلماء:
- قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«ولا تظن أن أي نسبة من الخمر تكون في شيء تجعله حرامًا».
- وبيّن أن الضابط هو:
إن كانت النسبة مؤثرة بحيث يسكر الإنسان من تناول الكثير من الخليط حرم، أما إذا كانت نسبة ضئيلة «وانمحى أثرها ولم تؤثر» فإنه يكون حلالًا.
وهذا متفق مع قاعدة الحديث: « ما أسْكرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرامٌ فمعنى الحديث أن المادة أو الشراب الذي كثيره مسكر يحرم قليله، وليس معناه أن كل طعام دخلت في عملية تصنيعه ذرة من مادة كحولية ثم استُهلكت وتلاشت صار حرامًا. وهذا فرق مهم جدًا. سابعًا: الكريمات والمنتجات غير المأكولة أما الكريمات ومستحضرات الاستعمال الخارجي التي يدخل الكحول في تصنيعها، فالأمر فيها أوسع؛ لأن المقصود ليس تناولها وشربها.
من أقوال العلماء:
- وقد قرر المجمع أنه لا حرج في:
«استخدام الكريمات التي يدخل الكحول فيها».
والشيخ ابن عثيمين رحمه الله أجاز استعمال المواد الكحولية عند الحاجة في التطهير والدهانات ونحوها، مع ترجيحه أن الخمر نفسها ليست نجسة حسًا. تنبيه مهم: ليس كل «Alcohol» خمرًا • يمكن تلخيص الفرق هكذا: الكحول: مصطلح كيميائي واسع، وليس كل أنواعه شرابًا مسكرًا أو خمرًا. الخمر: كل شراب مسكر، وهو حرام قطعًا قليله وكثيره إذا كان كثيره مسكرًا. نجاسة الخمر: الراجح أنها طاهرة حسًا، محرمة شربًا؛ فالتحريم شيء والنجاسة شيء آخر. الكحول المستخدم للتعقيم: يجوز استعماله ولا يجعل المعدات نجسة. الكحول المستخدم كمذيب للنكهات: إذا كانت منه نسبة يسيرة استُهلكت أو تلاشت ولم يكن المنتج النهائي مسكرًا، فلا يحرم المنتج لهذا السبب. وقد نص مجمع الفقه الإسلامي على هذه الصورة. النتيجة: استعمال الكحول في تعقيم المعدات جائز، ولا يجعل المعدات ولا المنتجات نجسة؛ لأن الراجح أن الخمر نفسها ليست نجسة نجاسة حسية، وإنما هي محرمة الشرب، وقد دلت على طهارتها عدة أدلة، منها إراقة الصحابة لها في طرق المدينة، وعدم أمر النبي ﷺ بغسل أوانيها، وأن الأصل في الأعيان الطهارة. وكذلك يجوز استعمال نسبة يسيرة من الكحول في عملية تصنيع النكهات، كالفانيليا، بوصفه مذيبًا أو وسيلة للاستخلاص، إذا استُهلك أو تبخر وتلاشى ولم يبق له في المنتج النهائي أثر مسكر؛ وقد نص مجمع الفقه الإسلامي الدولي على جواز المواد الغذائية التي تستخدم فيها نسبة ضئيلة من الكحول لهذا الغرض مع تلاشي معظمها أثناء التصنيع.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
حكم أكل الدجاج من مطاعم الوجبات السريعة في كندا
سمعت أن في البلدان المسيحية يعتبر أكل الدجاج الذي ليس عليه علامة "حلال" حلالًا ويجوز لنا أكله. فبحسب هذا القول، هل يجوز لي أن آكل الدجاج من مطاعم الوجبات السريعة مثل A&W، وبرجر كينغ، وونديز في كندا، أم ينبغي لي تجنبه؟
حكم أكل اللحم الكوشَر
إذا كان المسلم يسكن بعيدًا عن متجرٍ يبيع اللحوم الحلال، لكن يوجد بالقرب منه متجرٌ يبيع اللحوم الكوشَر، فهل يجوز له شراءُ اللحم الكوشَر وأكله في هذه الحالة؟
استعمال جوزة الطيب في الطعام والطبخ
ما حكم استعمال جوزة الطيب في الطعام؟ وهل يجوز استخدامها في الطبخ؟