الفرق بين التوسل والشرك الأكبر: فهم موقف بعض علماء الحنابلة

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ، حياك الله وأحسن الله إليك سمعت أن بعض كبار علماء الحنابلة أجازوا التوسل بالصالحين، وقد استدلوا بالإمام الحجاوي في كتابه الإقناع، وابن النجار في منتهى الإرادات، وابن مفلح في كتاب الفروع، وغيرهم. فسؤالي: أليس هذا شركًا؟ أم أن العلماء المتقدمين كان لديهم تعريف مختلف للتوسل؟ جزاك الله خيرا شيخ والسلام عليكم

ملخص الجواب:

التوسل بالصالحين أو بجاههم أو بذواتهم ليس شركًا أكبر عند جمهور العلماء الذين أجازوه أو تساهلوا فيه، وإنما هو عندهم من مسائل التوسل المختلف فيها. ولذلك لم يكن الأئمة المتقدمون الذين ذكرت أسماءهم يقصدون بذلك دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم، ولا صرف العبادة لغير الله. أما الشرك الأكبر فهو أن يُدعى الميت أو الغائب، أو يُستغاث به، أو يُطلب منه قضاء الحاجات وكشف الكربات، فهذا هو الذي جاءت النصوص بتحريمه وبيان أنه من الشرك.

الجواب:

بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

أولًا: يجب التفريق بين التوسل والاستغاثة

كثير من الإشكالات نشأت من عدم التفريق بين هذين البابين:

  • التوسل: أن يدعو العبدُ اللهَ وحده، لكنه يجعل بين يدي دعائه وسيلة.

فيقول مثلًا:

"اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى."

"اللهم إني أسألك بإيماني بك."

"اللهم إني أسألك بدعاء عبدك الصالح."

"فالمسؤول والمدعو هو الله وحده."

  • أما الاستغاثة بالأموات أو دعاؤهم كأن يقول:

"يا فلان أغثني."

"أو اشف مريضي."

"أو اقض حاجتي."

فهذا دعاء لغير الله، وهو من الشرك الأكبر عند أهل السنة.

ثانيًا: ماذا قصد الحنابلة الذين أجازوا التوسل؟

النقول الموجودة في بعض كتب الحنابلة، ككتاب الإقناع، ومنتهى الإرادات، والفروع، تتكلم غالبًا عن:

التوسل بالنبي ﷺ أو بجاهه أو بحقه عند الدعاء.

أي أن الداعي يدعو الله وحده، ولا يدعو النبي ﷺ.

ولهذا لم يفهم هؤلاء العلماء أن هذا من الشرك، وإلا لما قالوا به.

ثالثًا: ما موقف المحققين من أهل السنة؟

ذهب جماعة من المحققين، كابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، ومن بعدهما من علماء الدعوة السلفية، إلى أن:

  • التوسل المشروع هو التوسل بأسماء الله وصفاته.
  • أو بالأعمال الصالحة.
  • أو بدعاء الرجل الصالح الحي.
  • أما التوسل بالجاه أو الحق أو الذات فليس مشروعًا عندهم؛ لعدم ورود الدليل به.
  • لكنهم مع ذلك يفرقون بين البدعة وبين الشرك الأكبر.
  • فالتوسل بجاه النبي ﷺ عندهم بدعة أو وسيلة غير مشروعة، لكنه ليس شركًا أكبر ما دام الداعي يدعو الله وحده ولا يصرف العبادة لغيره.

رابعًا: لماذا لم يكفّر العلماء المتقدمون القائلين به؟

لأنهم لم يكونوا يقصدون دعاء غير الله.

ولو كان مجرد قول الإنسان:

"اللهم إني أسألك بجاه نبيك"

شركًا أكبر، للزم تكفير طوائف من فقهاء المذاهب الأربعة الذين ذكروا هذه المسألة، وهذا لم يقله أئمة أهل السنة.

ولهذا فرّق العلماء بين:

  • التوسل المبتدع.
  • والشرك الأكبر.

فليس كل بدعة شركًا أكبر.

النتيجة:

  • العلماء المتقدمون الذين أجازوا بعض صور التوسل لم يكونوا يقصدون دعاء الأموات أو الاستغاثة بهم.
  • التوسل المذكور في كتبهم هو سؤال الله تعالى وحده مع ذكر جاه نبي أو صالح ونحو ذلك.
  • جمهور من أجاز هذا النوع لم يعدّه شركًا، وإنما عدّه من باب التوسل.
  • المحققون من أهل السنة كابن تيمية يرون أن التوسل المشروع هو ما ورد به الدليل، وأن التوسل بالجاه أو الذات غير مشروع.
  • الشرك الأكبر هو دعاء غير الله أو الاستغاثة به أو صرف العبادة له، لا مجرد التوسل المختلف فيه بين العلماء.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

حكم سؤال الحيّ بصيغة تشبه الدعاء

وضّحوا لي مسألة. الدعاء عبادة، لكن سؤالي هو: إذا سأل شخصٌ إنسانًا حيًّا شيئًا يقدر عليه، مثل أن يطلب من والده أن يحضر له حذاء، ثم يقول لوالده: أنا أدعو لك أن تحضر لي الحذاء، فهل يُعدّ هذا شركًا؟ أنا أعلم أن سؤال الحيّ القادر على شيءٍ مما يقدر عليه ليس شركًا، لكن سؤالي: ماذا لو طلب منه بصيغة دعاء، مع أنه قادر على فعله؟ أريد أن أفهم ما المقصود بـ «الدعاء» الذي هو عبادة.

اقرأ الإجابة كاملة

توضيح مسألة العُذر بالجهل في الشرك الأكبر

توجد أقوالٌ قد يظهر بينها تعارُضٌ في مسألة العُذر بالجهل في الكفر. فقد قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ما معناه: إنَّ من يقول: «أنا لا أُكَفِّر هؤلاء، ولا أُكَفِّر من يعبد الحسن أو الحسين أو البدوي، ولا أُكَفِّرهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وهم إخواننا، ولكنهم أخطؤوا» — يُقال له: أنتَ مشركٌ مثلهم؛ لأنك لم تُكَفِّر بما عُبد من دون الله. وفي المقابل، نجد أن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يُقِرُّ بوضوح العُذر بالجهل. فما هو القول الصحيح في هذه المسألة؟ وماذا يقصد الشيخ الفوزان بكلامه على وجه الدقة؟ أنا شخصٌ عاميّ، وقد اخترتُ قول الشيخ ابن عثيمين، فهل أنا مصيب أم مخطئ؟ والله إني أشعر بالخوف والحيرة بسبب هذه المسألة. أرجو التوضيح

اقرأ الإجابة كاملة

هل كل الصوفية ضالون؟

هل كل أنواع الصوفية سيئة؟ وهل كل صوفي مبتدع؟

اقرأ الإجابة كاملة