ما علاج الحزن الشديد مع المحافظة على العبادة والأذكار؟
السؤال: عندي مسألة تؤذيني بالحد. أنا سني سلفي وطالب علم ولله الحمد، أصلي وأصوم وأزهد من الحرام، لا أتكلم مع البنات أو أسمع الأغاني أو آخذ شيئًا من لحيتي. عندي هم وغم شديد، يعني قد يبلغ الحزن إلى حد أريد أن أموت أحيانًا. قد جربت الرقية الشرعية، ولله الحمد كل يوم رقيت نفسي أحس طيبًا كويسًا، يعني ما عندي ذلك الحزن، ولكن هذا ليوم واحد فقط، ثم يرجع الهم والغم حتى لا أقدر أن أتفكر في علاج. أنا لا أترك أذكار الصباح والمساء والنوم وكل الأذكار اليومية، وهذا الحزن منعني من كل شيء من العبادات والعلم، وأجلس كل يوم على الفراش وأستخدم الهاتف حتى يأتي الليل. ما العلاج يا شيخ؟ ماذا علي أن أفعل؟
ملخص الجواب:
ننصح السائل بتقوى الله تعالى، والصبر على هذا الابتلاء، وعدم الاستسلام للحزن والفراغ. وليعلم أن المؤمن قد يُبتلى بالهم والغم مع صلاحه واستقامته، وليس كل حزن سببه ضعف الإيمان أو وجود سحر أو عين. وعليه أن يجمع بين الأذكار والرقية والدعاء، وبين الأخذ بالأسباب العملية من الحركة والعمل ومجالسة الصالحين وترك العزلة، وأن يراجع طبيبًا مختصًا إذا استمر الأمر؛ فإن التداوي مشروع ولا ينافي التوكل.
الجواب:
أولًا: نوصيك أن تحمد الله على ما أنت عليه من المحافظة على الصلاة والأذكار والبعد عن المحرمات، فهذه نعم عظيمة ينبغي شكر الله عليها.
لكن اعلم أن المؤمن قد يُبتلى بالهم والحزن مع صلاحه واستقامته.
من القرآن الكريم:
- يوسف: ٨٤
وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
من السنة النبوية:
- رواه البخاري.
وقال النبي ﷺ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ
فلو كان الهم والحزن لا يصيبان أهل الإيمان لما استعاذ منهما النبي ﷺ.
ثانيًا: لا تحصر السبب في السحر أو العين أو المس كونك تنتفع بالرقية يومًا أو بعض الوقت لا يلزم منه أن سبب المشكلة سحر أو عين. بل قد يكون عند الإنسان همٌّ نفسي أو اكتئاب أو إرهاق ذهني، فتطمئن نفسه عند الرقية والذكر ثم يعود الحزن بعد ذلك. ولهذا لا ينبغي للمسلم أن يجعل كل ما يصيبه من هم أو حزن من باب السحر والمس، بل ينظر في جميع الأسباب الشرعية والكونية. ثالثًا: احذر الفراغ والعزلة من أخطر ما ذكرته قولك: "أجلس كل يوم على الفراش وأستخدم الهاتف حتى يأتي الليل." فهذا من أعظم أسباب زيادة الهم والحزن.
من أقوال العلماء:
- قال ابن القيم رحمه الله:
"ومن أعظم ما يفسد القلب البطالة والفراغ."
فالفراغ يورث كثرة التفكير والوساوس واستحضار الأحزان.
لذلك ألزم نفسك ببرنامج يومي، ولو كان شاقًا على النفس في البداية: المشي يوميًا. الخروج من المنزل. حضور دروس العلم. زيارة الصالحين. قراءة القرآن بتدبر. الاشتغال بحفظ المتون أو المراجعة. ممارسة عمل أو تجارة أو دراسة نافعة. رابعًا: أكثر من الدعاء المشروع ومن أنفع الأدعية:
من السنة النبوية:
- أخرجه أحمد واللفظ له، وابن حبان والطبراني صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحةعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال :
قال رسول الله ﷺ: ما أصاب أحدًا قط همٌّ و لا حزنٌ ، فقال : اللهمَّ إني عبدُك ، و ابنُ عبدِك ، و ابنُ أَمَتِك ، ناصيتي بيدِك ، ماضٍ فيَّ حكمُك ، عدلٌ فيَّ قضاؤُك ، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك ، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك ، أو أنزلتَه في كتابِك ، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك ، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي ، و نورَ صدري ، و جلاءَ حزني ، و ذَهابَ همِّي ، إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ و حزنَه ، و أبدلَه مكانَه فرجًا قال : فقيل : يا رسولَ اللهِ ألا نتعلَّمُها ؟ فقال بلى ، ينبغي لمن سمعَها أن يتعلَّمَها.
- وفي صحيح أبي داود: من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه:
كان النبي ﷺ يقول: « دعواتُ المكروبِ : اللَّهمَّ رحمتَك أَرجو فلا تَكِلني إلى نَفسِي طرفةَ عينٍ وأصلِح لي شَأني كلَّه لا إلَه إلَّا أنتَ وبعضُهم يزيدُ علَى صاحبِهِ».
- وفي الصحيحين: من أبي هريرة رضي الله عنه:
كان النبي ﷺ - ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه.
شرح: للصبر على المرض والابتلاءات ثواب عظيم عند الله عز وجل؛ وذلك أن الله جعل الابتلاءات كفارات لذنوب المؤمن ورفعة لدرجاته.
وفي هذا الحديث تسلية للمؤمن فيما يصيبه من مصائب الدنيا، ومن الأمراض والأوجاع؛ فكل ما يصيب المؤمن خير له؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مصيبة»، وتنكير كلمة (مصيبة) يفيد العموم والشمول؛ أي: أي مصيبة، كبيرة كانت أو صغيرة؛ تصيب المسلم، إلا كانت تكفيرا لذنوبه وفي حديث آخر متفق عليه تفصيل هذه الأشياء التي تصيبه، فسواء كانت تعبا، أو هما، أو غما، أو حزنا، فما من مصيبة تصيب العبد المؤمن إلا ويرفع الله بها درجته، ويحط عنه خطاياه ويطهره بها من ذنوبه ومعاصيه، حتى لو كانت هذه المصيبة شوكة تصيب العبد فتؤلمه، فيصبر على أذاها ووجعها احتسابا لله تعالى دون تسخط وشكوى لأحد؛ فإن الله سبحانه يكفر بها من خطايا العبد تفضلا وتكرما منه جل وعلا على عبده المسلم. وفي الحديث: بيان فضل الله على عباده المؤمنين ورحمته بهم بغفران الذنوب بأقل ضرر يصيبهم.
من السنة النبوية:
- وفي صحيح مسلم: من حديث صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه قال
قال النبي ﷺ عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له.
خامسًا: لا حرج في مراجعة الطبيب إذا استمر الحزن مدة طويلة، وصاحبه: فقدان النشاط. ضعف الرغبة في العبادة والعلم. كثرة النوم أو قلته. العزلة عن الناس. الجلوس الطويل دون عمل. فلا حرج في مراجعة طبيب نفسي موثوق؛ لأن الأمراض النفسية كغيرها من الأمراض.
من السنة النبوية:
- وقد جاء في صحيح ابن ماجه: من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه :
قال النبي ﷺ: « شَهدتُ الأعرابَ يسألونَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أعلينا حرجٌ في كذا أعلَينا حرجٌ في كذا فقالَ لَهم عبادَ اللَّهِ وضعَ اللَّهُ الحرجَ إلَّا منِ اقترضَ من عرضِ أخيهِ شيئًا فذاكَ الَّذي حُرِجَ فقالوا يا رسولَ اللَّهِ هل علينا جناحٌ أن لا نتداوى قالَ تداوَوا عبادَ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ سبحانَهُ لم يضع داءً إلَّا وضعَ معَهُ شفاءً إلَّا الْهرمَ قالوا يا رسولَ اللَّهِ ما خيرُ ما أعطِيَ العبدُ قالَ خُلُقٌ حسنٌ
والتداوي لا ينافي التوكل، بل هو من الأخذ بالأسباب المشروعة
تنبيه مهم: قولك: "أريد أن أموت أحيانًا" إن كان المقصود به تمني الموت للخلاص من شدة البلاء،
من السنة النبوية:
- فقد جاء في الصحيحين (متفق عليه)من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال:
قال النبي ﷺ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» .
وليقل: ى«اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».
أما إذا وصلت الأفكار إلى التفكير الجاد في إيذاء النفس أو الانتحار، فيجب طلب المساعدة فورًا من أهل الثقة أو الجهات المختصة وعدم البقاء منفردًا. النتيجة: الذي يظهر من وصفك أن علاجك لا يقتصر على الرقية وحدها، بل يحتاج إلى الجمع بين الذكر والدعاء والرقية، وبين الأخذ بالأسباب العملية من ترك الفراغ والعزلة، والعودة التدريجية إلى العلم والعمل ومجالسة الصالحين. فإن استمر الأمر وأثر في حياتك وعبادتك تأثيرًا شديدًا، فراجع طبيبًا مختصًا؛ فإن التداوي مشروع، والله تعالى ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء. نسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب همك، ويجعل لك من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا. آمين.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
هل يُشترط النوم أولًا لقيام الليل؟
هل ينال الإنسان ثواب قيام الليل فقط إذا استيقظ لأدائه؟ وإذا سهرت حتى وقت متأخر ثم صليت، هل أحصل على الثواب؟
أفضل طريقة للدعاء ليستجاب وفقًا للسنة
ما هي أفضل طريقة للدعاء لكي يُستجاب وفقًا للسنة؟
هل يجوز ترك الصلاة أو جمعها بسبب الاكتئاب الشديد؟
أنا أُعاني من اكتئابٍ شديد، وقد وصلتُ إلى مرحلةٍ أشعر فيها بأن الصلاة تُسبِّب لي أفكارًا انتحارية، وأن الدعاء يُصيبني بنوبات هلع. لا أقول هذا استخفافًا بالدين، بل من شدّة ما أنا فيه من ضيقٍ وألمٍ نفسي. فهل يجوز لي في هذه الحالة أن أتوقّف مؤقّتًا عن أداء الصلاة؟ أو على الأقل هل يجوز لي جمع الصلوات، كأن أجمعها في وقت العصر أو المغرب، بسبب ما أعانيه من هذه الحالة النفسية الشديدة؟ أرجو الإفادة، بارك الله فيكم.