هل يجوز الاستماع إلى القرآن أثناء العمل لتجنب التوسع في الحديث مع الزبائن من الرجال؟

السؤال: أنا أعمل في مكان يأتي إليه الرجال للتسوّق، وأحيانًا أجد نفسي أطيل الحديث معهم، وأسأل الله أن يغفر لنا جميعًا. وقد فكرت في أن أضع سماعات الأذن وأستمع إلى القرآن أثناء فترة عملي؛ ليكون ذلك تذكيرًا لي، لكن عندما يدخل الزبائن قد لا أتمكن من إيقاف تشغيل القرآن. فهل يجوز لي فعل ذلك، مع علمي أننا مأمورون بالإنصات للقرآن عند تلاوته؟ وإذا كان هذا لا يجوز، فما النصائح أو الوسائل التي تنصحون بها حتى لا أنشغل أو أتوسع في الحديث مع الزبائن؟

ملخص الجواب:

لا حرج في أن يستمع المسلم إلى القرآن أثناء العمل إذا لم يترتب على ذلك امتهانٌ للقرآن أو الانشغال عنه انشغالًا ينافي المقصود من الاستماع. لكن إذا كان العمل يقتضي كثرة الكلام مع الزبائن والانشغال المتكرر، فالأفضل عدم تشغيل القرآن في هذه الحال، واستبداله بما لا يترتب عليه هذا الإشكال، كالأذكار أو المحاضرات النافعة عند الإمكان. وأما علاج التوسع في الحديث مع الزبائن فيكون بغض البصر، والاقتصار على قدر الحاجة، واستحضار مراقبة الله، والاشتغال بالذكر في القلب، مع تجنب الخلوة والخضوع بالقول.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فالأصل أن سماع القرآن من أجلِّ القربات، لكن ينبغي أن يُراعى له من التعظيم والأدب ما يليق بكلام الله تعالى.

فإذا كان العمل يستلزم استقبال الزبائن والرد عليهم، والانشغال المتكرر بالكلام، فإن تشغيل القرآن في هذه الحال ليس هو الأولى؛ لأن المقصود من سماع القرآن هو التدبر والانتفاع، لا أن يكون مجرد صوتٍ في الخلفية مع الانشغال عنه.

من القرآن الكريم:

  • الأعراف:٢٠٤
    وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

فقد اختلف العلماء في عموم هذه الآية، وأكثرهم على أنها نزلت في الصلاة، ومنهم من عممها في كل موضع يُقرأ فيه القرآن، لكنهم جميعًا متفقون على أن تعظيم القرآن واحترامه مطلوب. ولهذا لا يُستحب أن يُشغَّل القرآن في مكان يعلم الإنسان أنه سيظل منشغلًا عنه أكثر الوقت.

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
    المشروع للمؤمن عند سماع القرآن أن ينصت، فإذا شغلته على القرآن فأنصتوا واستمعوا واستفيدوا، ولا تحدثوا والقرآن يتلى، فالله يقول سبحانه: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:٢٠٤] والمشروع للمؤمن أن يتحرى هذا الخير، وأن يحرص عليه، إذا سمع القراءة من الراديو من إذاعة القرآن، أو من شخص يتلو عندهم في المجلس يستمعون يستفيدون، ولا يشتغلون بالخوض والكلام
  • وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
    الذي أرى أنه إن لم يكن هناك استماع للقرآن فلا يشغل المسجل، وإذا أراد الإنسان أن يستمع إلى المسجل فلينصت، أو يغلقه، أما كون كتاب الله يقرأ وهذا يشتغل في شغل البيت في الكنس أو الطبخ أو إصلاح أمور فلا شك أن فيه غفلة عن كتاب الله، وأنه يخشى أن يكون من جنس فعل المشركين الذين قالوا: { لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت:٢٦].
  • وقال رحمه الله أيضاً:
    "إذا كان الإنسان محتاجًا للحديث فلا يفتح الراديو على القرآن، ولا المسجل... القرآن أعظم من أن الناس يتحدثون ويهجرونه... إما أن تستمع وإلا أغلقه."

أما كيف تتجنبين التوسع في الحديث مع الرجال؟ فهذه بعض الوسائل العملية: • استحضار مراقبة الله تعالى، وأن الكلام مع الرجال الأجانب يكون بقدر الحاجة فقط. • الاقتصار على ألفاظ البيع والشراء دون فتح أحاديث جانبية أو المزاح. • غض البصر قدر الاستطاعة، امتثالًا لقوله تعالى:

من القرآن الكريم:

  • النور: ٣١
    وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ

• عدم الخضوع بالقول، قال تعالى:

من القرآن الكريم:

  • الأحزاب: ٣٢
    فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ

• الإكثار من الذكر سرًّا أثناء العمل؛ كالتسبيح، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ، فإن ذلك يشغل القلب ويعين على حفظ اللسان. • إن أمكن، فاستمعي إلى القرآن في أوقات يقل فيها التعامل مع الزبائن، كفترة الاستراحة أو أثناء الذهاب إلى العمل والعودة منه، حيث يتحقق المقصود من الاستماع والتدبر. • إذا احتجت إلى شيء تسمعينه أثناء العمل، فالمحاضرات العلمية أو التذكيرية أو الأذكار المسجلة قد تكون أنسب من تشغيل القرآن إذا كان يغلب على ظنك كثرة الانقطاع والانشغال. النتيجة: الأولى عدم تشغيل القرآن أثناء العمل إذا كان يغلب على الظن كثرة الانشغال بالكلام مع الزبائن وعدم القدرة على الإنصات؛ تعظيمًا لكلام الله تعالى. والأفضل أن يُخصص للقرآن وقتٌ يتمكن فيه المسلم من حسن الاستماع والتدبر، وأن يقتصر في التعامل مع الرجال على قدر الحاجة، مع غض البصر، وحفظ اللسان، والإكثار من ذكر الله تعالى، وسؤال الله الثبات والعفاف، فإنه سبحانه خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة