هل الأفضل أن أتقدم لإمامة الصلاة أم أتركها خوفا من الرياء؟

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الشيخ عندي سؤال بخصوص إمامة الصلاة. في كثير من الأحيان يقدمني أهل المسجد للإمامة لقلة وجود المتقنين للتلاوة بين الناس ولا يوجد إمام راتب رغما أنه أكبر المساجد في المنطقة في بعض الأحيان، أجد في نفسي رغبة في الإمامة لأني أحب القراءة على الميكرفون وأريد أجر الناس الذين يصلون خلفي ولكنني في الوقت نفسه أخاف جدا من الوقوع في الرياء أو أن تفسد نيتي. أحيانا أشعر أنني أذهب إلى المسجد فقط لكي أؤم الناس في الصلاة وهو خطوات من بيتي والله إنني أُعاني من هذا الأمر فكيف أتعامل مع هذه المشاعر؟ وعندما يقدمني الناس لإمامة الصلاة، هل أقبل وأتقدم راضيا، أم الأفضل أن أتركها لغيري خوفا من الرياء وجزاكم الله خيرا

ملخص الجواب:

لا ينبغي للسائل أن يترك الإمامة لمجرد خوفه من الرياء، ولا سيما إذا كان من أحسن الموجودين قراءةً وكان أهل المسجد هم الذين يقدمونه؛ فقد قال النبي ﷺ: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» رواه مسلم. لكن عليه أن يجاهد نفسه في تصحيح النية كل مرة، فيقصد إقامة الصلاة، ونفع المصلين، وطلب ثواب الله، لا مجرد الاستمتاع بصوته عبر الميكروفون أو إعجاب الناس به. ومجرد محبته للقراءة وحسن الصوت وسروره بالإمامة لا يعني أنه مراءٍ. والصواب: إذا قدمه الناس وهو أهل للإمامة فليتقدم، ولا يترك هذا الخير خوفًا من الرياء، مع مجاهدة نفسه على الإخلاص.

الجواب:

أولًا: الأصل أن الإمامة عبادة عظيمة تحتاج إلى الإخلاص

من القرآن الكريم:

  • البينة: ٥
    وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

من السنة النبوية:

  • وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله النبي ﷺ يقول:
    «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»

فالإمامة وقراءة القرآن من العبادات، ولذلك ينبغي للسائل أن يسأل نفسه: لماذا أتقدم؟ فإن كان قصده أن يقيم الصلاة بالناس، وأن ينفعهم بقراءته، وأن يحصل فضل الجماعة والإمامة، وأن يبتغي بذلك ثواب الله، فهذه نية صالحة. وأما إن كان المقصود الأصلي أن يسمع الناس صوته ويعجبوا بقراءته ويمدحوه، فهنا يجب عليه أن يصحح نيته؛ لأن الرياء خطر عظيم. ثانيًا: كونك تحب القراءة في الميكروفون لا يعني وحده أنك مراءٍ هناك فرق بين أمرين: الأول: أن تحب قراءة القرآن، وتستمتع بحسن القراءة والصوت، وتحب أن تؤم الناس، مع كون أصل قصدك لله. الثاني: أن يكون الدافع للإمامة هو أن يسمع الناس صوتك ويثنوا عليك ويقولوا: فلان قارئ حسن. الأول لا يجعل العمل رياءً بمجرده، أما الثاني فهو الذي ينبغي الحذر منه. إن الواجب أن يكون العمل لله، فلا يقصد الإنسان حمد الناس وثناءهم. ثالثًا: لا تترك الإمامة لمجرد خوف الرياء وهذه أهم نقطة في السؤال.

من أقوال العلماء:

  • سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن ترك العبادة خوف الرياء فقال:
    «لا، ينبغي للإنسان أن يعمل... يجاهد نفسه في الإخلاص، أما أن يترك العمل لخوف الرياء فلا».
  • فتوى ابن باز: حكم ترك العمل لأجل الناس خشية الرياء
    «لا يترك العمل لأجل الناس، يعمل ما شرع الله له، ولا يبالي بالناس».

    بل لما سئل عمن يترك الصف الأول مخافة الرياء، قال إن هذا غلط، وأنه يبادر إلى الخير ويحذر الرياء. فالحل ليس: أترك الإمامة حتى أضمن أن قلبي لا يخطر فيه شيء؛ لأن الشيطان قد يستعمل خوف الرياء نفسه ليصرف الإنسان عن الطاعة.

من أقوال العلماء:

  • قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله محذرًا من هذه الوسوسة:
    «احذر أيضًا أن يدخل عليك الشيطان هذا، أعني: خوف الرياء». وبيّن أن الشيطان قد يقول للإنسان عند إرادة العمل الصالح: أنت مراءٍ؛ حتى يمنعه من العمل، ثم قال: «احذر هذا، لا تبالِ به، أعرض عنه».

    كلام ابن عثيمين في خوف الرياء ووسوسة الشيطان وهذا قريب جدًا من الحالة المذكورة في السؤال.

إذا كنت من أقرأ الموجودين فقبول الإمامة هو الموافق للسنة

من السنة النبوية:

  • رواه مسلم.قال رسول الله ﷺ:
    «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»

من أقوال العلماء:

  • والشيخ ابن باز رحمه الله يقول:
    «الأفضل أن يتقدم بالناس أقرؤهم»،

    وبيّن أن أهل المسجد ينبغي لهم أن يقدموا الأجود قراءة.

  • وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في حال عدم وجود إمام راتب:
    «فيجب على الجماعة إذا لم يكن هناك إمام راتب أن يقدموا للإمامة من كان أحق بها».

    فتوى ابن عثيمين في تقديم الأحق بالإمامة فإذا كان المسجد لا إمام راتب له، والناس يقدمونك لأنك من أحسنهم قراءة، فلا ترفض الإمامة لمجرد الخوف من الرياء.

سادسًا: قولك «أريد أجر الناس الذين يصلون خلفي» إن كان مرادك: أريد ثواب الإمامة وثواب إعانة المسلمين على إقامة الجماعة، فهذا مقصد شرعي حسن، وليس رياءً؛ لأنك تطلب الأجر من الله.

من أقوال العلماء:

  • وقد وجّه ابن عثيمين رجلًا أراد الإمامة فقال له:
    «اجعل همك أن تكون إمامًا للمتقين»،

    وأرشده إلى تصحيح القصد والإخلاص لله.

لكن لا نجزم بأن للإمام مثل مجموع أجور جميع المأمومين لمجرد إمامته إلا بدليل خاص؛ وإنما يرجى له أجر الإمامة وإقامة الجماعة والدلالة على الخير بحسب نيته وعمله. سابعًا: ماذا عن شعورك أنك تذهب إلى المسجد لكي تؤم الناس؟ هنا ينبغي التفصيل. إن كان معنى ذلك: أذهب إلى المسجد لأنني أعلم أنهم يحتاجونني للإمامة، وأحب أن أقيم بهم الصلاة وأقرأ بهم القرآن، فهذا ليس مذمومًا في نفسه. أما إذا وجدت من نفسك أنك تقول: لو لم أكن سأؤمهم لما رغبت في الذهاب إلى المسجد؛ فهنا جاهد نفسك، وذكّرها بأن المقصد الأول هو الصلاة لله في جماعة، سواء قدموك أم لم يقدموك. ومن أحسن الاختبارات لنفسك: إذا دخلت المسجد فقدموا شخصًا آخر، فهل تستطيع أن تصلي خلفه مسرورًا دون أن تضيق نفسك لأنك لم تتقدم؟ إن وجدت شيئًا في نفسك، فلا تترك المسجد ولا الإمامة، وإنما عالج النية وجاهدها. ثامنًا: طريقة عملية عند كل صلاة قبل أن تتقدم قل في نفسك: اللهم إني أريد بهذه الصلاة وجهك، وإقامة جماعتك، ونفع إخواني، فلا تجعل لأحد فيها شيئًا. ثم لا تراقب نفسك أثناء الصلاة مراقبة مفرطة: هل أنا مخلص؟ هل أنا مراءٍ؟ لماذا حسنت صوتي؟ لماذا أعجبتني القراءة؟؛ لأن كثرة التفتيش قد تتحول إلى وسوسة. اقرأ كما اعتدت أن تقرأ قراءة صحيحة حسنة، وصلِّ بالناس كما جاءت السنة، ولا تتكلف تحسينًا مخصوصًا للصوت لأجل إعجاب المصلين.

من أقوال العلماء:

  • وتذكر دائماً مقولة المشهورة عن الفُضَيْل بن عياض رحمه الله:
    «تَرْكُ العَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللهُ مِنْهُمَا».

أولًا: «العمل من أجل الناس شرك» أي أن الإنسان يعمل العبادة ليمدحه الناس أو يروه أو يسمعوا به، لا يريد بعمله وجه الله وحده. فهذا هو الرياء، وهو من الشرك الأصغر في الأصل. مثاله: رجل لا يطيل الصلاة عادة، فلما رآه الناس أطالها وحسَّنها طلبًا لمدحهم. فهذا عمل لأجل الناس.

من القرآن الكريم:

  • الكهف: ١١٠.
    فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا

ثانيًا: «ترك العمل من أجل الناس رياء» وهذه دقيقة: قد يريد الإنسان طاعةً لله، ثم يقول: لن أفعلها؛ أخشى أن يقول الناس عني مراءٍ، أو متدين، أو يريد أن يراه الناس. فيترك الطاعة مراعاةً لنظر الناس إليه. مثاله: رجل اعتاد أن يصلي النافلة، فلما دخل عليه بعض الناس تركها؛ حتى لا يظنوا أنه يريد إظهار عبادته. يقول الفضيل: هذا أيضًا نوع من الالتفات إلى الناس؛ لأنك جعلت وجودهم سببًا في ترك الطاعة. فالمطلوب ليس أن تقول: «سأعمل لأجل الناس»، ولا: «سأترك لأجل الناس»؛ بل تقول: «سأعمل لله، سواء رآني الناس أم لم يروني». ثالثًا: «والإخلاص أن يعافيك الله منهما» أي أن يتحرر قلبك من ملاحظة الخلق في أصل العبادة: لا تعمل لأجل مدحهم، ولا تترك العمل خوفًا من كلامهم. فإذا كنت تقرأ القرآن وحدك، ثم دخل الناس عليك، فلا تترك القراءة لمجرد دخولهم، ولا تحسّن صوتك لأجل إعجابهم؛ بل استمر في عبادتك لله. وهذا لا يعني أن كل ترك للعمل خوفًا من الرياء يكون مذمومًا؛ فقد يترك المرء عملًا معينًا غير واجب لمصلحة شرعية، أو يخفي النافلة لأنه يرى أن إخفاءها أقرب للإخلاص. المذموم الذي تشير إليه كلمة الفضيل هو أن يصبح نظر الناس هو الذي يحركك: تعمل إذا رأوك، وتترك إذا رأوك. النتيجة: تقدَّم للإمامة إذا قدمك أهل المسجد وكنت أهلًا لها، ولا تتركها لمجرد الخوف من الرياء. فترك الطاعة خوفًا من الرياء ليس هو العلاج، وإنما العلاج الاستمرار في الطاعة مع مجاهدة النفس وتصحيح النية. ومحبتك للقراءة على الميكروفون أو شعورك بالسرور بالإمامة لا يكفي للحكم على نفسك بالرياء. لكن اجعل الأصل في قلبك: أصلي لله، وأؤم المسلمين لله، وأقرأ القرآن لله. وإذا عرضت خواطر حب المدح أو إعجاب الناس، فادفعها ولا تسترسل معها. وفي حالتك، مع عدم وجود إمام راتب وقلة المتقنين للقراءة، فإن تقدمك عند تقديم الناس لك قد يحقق مصلحة ظاهرة، وقد جاءت السنة بتقديم الأقرأ لكتاب الله؛ فلا تحرم نفسك والمسلمين هذه المصلحة بسبب مجرد الخوف والوساوس. الخلاصة: الميزان هو لمن تعمل؟ إن عملت لله فهذا إخلاص. وإن عملت ليمدحك الناس فهذا رياء. وإن تركت طاعةً لمجرد مراعاة الناس وخوف كلامهم فقد التفت قلبك إليهم أيضًا. أما المخلص فيعبد الله في السر والعلن، ويجاهد قلبه، ولا يجعل الناس هم الذين يقررون له متى يعمل ومتى يترك.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة