كيف يبدأ السلفي المبتدئ في دراسة الفقه دون أن يقع في الحيرة بسبب اختلاف أقوال العلماء؟
السؤال: بوصفي سلفيًا، كيف ينبغي لي أن أبدأ في دراسة الفقه، ومن أين أبدأ؟ لقد حاولت دراسة الفقه من خلال نحو ثلاثة كتب مختلفة كتبها علماء سلفيون، وتمكنت من إنهاء باب الصلاة فقط، ثم بدأت أشعر بالحيرة. فكان أحد المشايخ يقول قولًا، بينما يقول شيخ آخر قولًا مختلفًا. وبسبب هذه الاختلافات، شعرت بالارتباك الشديد، حتى توقفت عن دراسة الفقه تمامًا. فهل يمكنكم أن ترشدوني إلى المنهج الصحيح في دراسة الفقه؟ وما الكتاب الذي تنصحونني أن أبدأ به؟ وكيف أتدرج في طلب العلم حتى أتجنب الوقوع في الحيرة والاضطراب؟
ملخص الجواب:
من أكثر الأسباب التي توقع طالب العلم في الحيرة أن يبدأ بكتب الترجيحات والخلاف العالي قبل أن يرسخ أصل الفقه في نفسه. فالفقه لا يؤخذ بهذه الطريقة، وإنما يُؤخذ بالتدرج، كما كان عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا. فينبغي لطالب العلم أن يبدأ بمتن فقهي واحد، يضبط مسائله، ويحفظ أصوله، ثم بعد ذلك ينتقل إلى معرفة الأدلة، ثم إلى دراسة الخلاف والترجيح. أما التنقل بين الكتب وسماع أقوال متعددة في بداية الطلب، فإنه غالبًا يورث الاضطراب ويقطع الطالب عن مواصلة العلم.
الجواب:
أولًا: اطلب العلم على طريقة أهل العلم لا على طريقة المقارنة بين الأقوال
كان العلماء يربون طلابهم على التدرج، فلا يبدأ الطالب بالخلاف، وإنما يبدأ بضبط العلم.
من القرآن الكريم:
- النحل: ٤٣
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
- طه: ١١٤
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا
من السنة النبوية:
- وفي الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ:
«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.»
وكان السلف يبدؤون بصغار العلم قبل كباره.
من أقوال العلماء:
- قال الإمام البخاري رحمه الله:
"باب: العلم قبل القول والعمل."
- قال معمر: سمعت الزهري يقول:
"من طلب العلم جُملةً فاتَه جملةً، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان."
ثانيًا: لا تبدأ بكتب الخلاف والترجيح من الأخطاء التي يقع فيها كثير من طلاب العلم اليوم أنهم يقرؤون عدة كتب في وقت واحد، أو يسمعون لعدة مشايخ في المسألة نفسها، فيجدون هذا يرجح قولًا، وآخر يرجح غيره، فيظنون أن هذا اضطراب في الفقه، وليس الأمر كذلك. فالاختلاف الفقهي باب واسع، وله أسباب معروفة عند أهل العلم، ولا يستطيع المبتدئ أن يوازن بين الأدلة أو يعرف الراجح بنفسه.
من السلف الصالح:
- ولهذا قال بعض السلف:
"من تتبع رخص العلماء تزندق."
وليس المقصود ترك معرفة الخلاف مطلقًا، وإنما المقصود أن معرفة الخلاف لها وقتها بعد التأصيل.
ثالثًا: ابدأ بكتاب واحد حتى تنتهي منه ينبغي أن تجعل لك أصلًا في الفقه، ولا تنتقل منه حتى تتمه. ومن أحسن ما يبدأ به طالب العلم: عمدة الفقه للإمام ابن قدامة. ثم دليل الطالب. ثم زاد المستقنع مع شرح مناسب. ثم بعد ذلك ينتقل إلى كتب الأدلة، مثل عمدة الأحكام، ثم بلوغ المرام. أما إذا كنت تميل إلى دراسة الفقه بالدليل من البداية، فلا تنتقل بين عدة شروح، بل الزم شرحًا واحدًا حتى تنتهي منه. رابعًا: لا تجعل همك معرفة الراجح في كل مسألة وهذه من أكثر الأخطاء انتشارًا بين طلاب العلم. فالمبتدئ ليس مطالبًا بأن يرجح بين أقوال الأئمة في كل مسألة، وإنما المطلوب منه أن يفهم العبادة على وجهها الصحيح، ويعرف الدليل إجمالًا، ويعبد الله على بصيرة. أما الترجيح، فهو مرحلة متقدمة تحتاج إلى: معرفة القرآن. ومعرفة السنة. والناسخ والمنسوخ. وصحيح الحديث وضعيفه. وأصول الفقه. وقواعد الاستدلال. وأقوال الصحابة. ولغة العرب. ولهذا كان العلماء الكبار يمكثون سنوات طويلة قبل أن يتكلموا في الترجيح. خامسًا: كيف تتعامل مع اختلاف العلماء؟ إذا وجدت عالمين من أهل السنة اختلفا في مسألة، فلا تجعل ذلك سببًا لترك العلم. بل اعلم أن الاختلاف الفقهي وقع بين الصحابة رضي الله عنهم، ثم بين الأئمة الأربعة، ولم يمنعهم ذلك من طلب العلم.
من السلف الصالح:
- قال الإمام أحمد رحمه الله:
" لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم."
من أقوال العلماء:
- وقال بعض العلماء:
"الاختلاف في المسائل الاجتهادية واقع بين سلف الأمة وأئمتها."
فالاختلاف الاجتهادي لا يعني أن أحدهما يطعن في الآخر، ولا أن الدين مضطرب، وإنما لكل مجتهد دليله واجتهاده.
سادسًا: احرص على ملازمة شيخٍ واحدٍ في بداية الطلب من أنفع ما يكون لطالب العلم في بداية طلبه أن يختار شيخًا أو طالب علم راسخًا في العلم والمنهج، فيقرأ عليه الكتاب، ولا يقرأه على نفسه؛ لأن الشيخ يشرح له العبارات، ويفكك المشكلات، ويؤصله تأصيلًا صحيحًا. ولا يتنقل بين عشرات الشروح، ولا يقفز من شيخ إلى شيخ في المرحلة الأولى؛ فإن كثرة التنقل قبل التأصيل تورث التشويش. وكان العلماء يقولون: "من كان شيخه كتابه، كان خطؤه أكثر من صوابه." ولا يعني هذا ترك الاستفادة من بقية العلماء، وإنما المقصود أن يكون لك شيخ متقن في هذا الفن، على منهج السلف، تلازمه حتى تنتهي من دراسة الكتاب، ثم بعد ذلك تستفيد من غيره. سابعًا: برنامج عملي مقترح إذا أردت السير على منهج واضح، فاجعل ترتيبك على النحو الآتي: تعلم العقيدة الصحيحة أولًا، مثل الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وكشف الشبهات، وكتاب التوحيد، والعقيدة الواسطية ، وعقيدة الطحاوية . ادرس متنًا فقهيًا واحدًا حتى تنتهي منه كاملًا، ولا تنتقل إلى غيره. اقرأ دليل كل باب بإجمال دون الدخول في الخلافات الطويلة. بعد إتمام المتن، ادرس أصول الفقه؛ وقواعد الفقهية الكبرى والصغرى لأنه مفتاح فهم اختلاف الفقهاء. بعد ذلك ابدأ بكتب المقارنات والترجيحات، مثل بداية المجتهد والمغني، مع شيخ أو بعد رسوخ القدم في العلم. توجيه لطالب العلم: لا تجعل الشيطان يصدك عن طلب العلم بسبب اختلاف العلماء؛ فإن هذا الاختلاف موجود منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم، ولم يمنعهم من التعلم والعمل. واعلم أن العلم لا يؤخذ في أشهر قليلة، بل هو عبادة تحتاج إلى صبر وملازمة.
من القرآن الكريم:
- العنكبوت: ٦٩
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
من السنة النبوية:
- وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
«وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ.»
فاصبر، والزَم التدرج، وأكثر من الدعاء أن يرزقك الله الفقه في دينه لأن العلم رزق من أرزاق الله يعطي من يشاء ومن يستحقه وهو نور يقذفه في قلب العبد ، ولا تستعجل الوصول إلى مرتبة الترجيح قبل أن ترسخ أصول العلم. النتيجة: المنهج الصحيح في دراسة الفقه هو التدرج، وضبط متن واحد قبل الانتقال إلى غيره، وترك الانشغال بالخلاف والترجيح في بداية الطلب، وملازمة شيخ أو شرح موثوق، ثم دراسة الأدلة وأصول الفقه، وبعد رسوخ العلم ينتقل الطالب إلى كتب الخلاف والترجيح. ومن سلك هذا الطريق بإذن الله قلَّ اضطرابه، ورسخت قدمه في الفقه، وسار على منهج أهل العلم في طلب العلم الشرعي.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
حكم دراسة مادة أديان العالم
السلام عليكم، هل أخذُ مادة “أديان العالم” جائز، مع كونك تتعلم عن ديانات أخرى أيضًا؟
منهجية وشروط دراسة الكتب الستة الحديثية
يقول السائل: ما هي الشروط المسبقة لطالب العلم ليبدأ في دراسة الكتب الستة الحديثية وغيرها مثل الموطأ، وهل ينبغي له أن يصل إلى مستوى معيَّن في علم الحديث، والنحو، والصرف، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم قبل دراسة هذه الكتب؟
كيف يجمع الشاب المسلم بين طلب العلم الشرعي والدراسة الجامعية والتجارة؟
ما نصيحتكم لشابٍّ يبلغ من العمر ستةَ عشرَ عامًا يسعى لطلب العلم الشرعي، وحفظ القرآن، وفي الوقت نفسه يدرس في الكلية ويفكّر في العمل أو التجارة؟
هل يجوز لطالب العلم الانتفاع بكتب من عنده أخطاء في العقيدة أو المنهج؟
أحسن الله اليكم ما الضابط لطالب العلم في الانتفاع بكتاب لمؤلف عنده اخطاء في العقيدة او المنهج خاصة في كتب الفقه؟ وهل يشترط ان لا نأخذ العلم الا ممن هو واضح على منهج السلف ام يجوز الانتفاع مع الحذر والضوابط؟ مثال ذلك ابن رشد وكتابه بداية المجتهد وهو كتاب مشهور يدرس وينتفع به