هل يجوز لإمام المسجد أن يكون وليًّا للمرأة في الزواج إذا رفض والدها الزواج بسبب اختلاف الجنسية أو لكون الخاطب طالبًا؟
السؤال: هناك امرأة مسلمة أرغب في الزواج منها ونحن لا نزال طالبين، وأظن أنها ستوافق على الزواج مني إذا تقدّمت لخطبتها. ووالداي مستعدّان لمساعدتي ماديًا أثناء دراستنا، لكنني أخشى أن يرفض والدها زواجنا بسبب عدم حصولي على شهادة جامعية، أو بسبب اختلاف جنسيتينا، فهي نيجيرية وأنا باكستاني، أو لأسباب أخرى. فإذا رفض وليّها زواجنا، فهل يجوز لي أن أجعل إمام المسجد المحلي وليًّا لها، وأن نعقد النكاح؟ وإذا لم يوافق الإمام أيضًا، فإلى من يمكنني أن ألجأ؟ وأنا طالب مجتهد، وأعرف أساسيات اللغة العربية، وأتمتّع بلياقة بدنية جيدة، وسأصبح مسعفًا للطوارئ الطبية خلال سنة، وأخصائيًّا في العلاج التنفسي خلال ثلاث سنوات إن شاء الله. وأطمح إلى أن أصبح أبًا، وطبيب أسرة، وعالمًا شرعيًّا على المنهج السلفي، إن شاء الله. وحاليًّا أجتنب الكبائر، وأعمل على حفظ القرآن الكريم.
ملخص الجواب:
لا يجوز للرجل أن يجعل إمام المسجد وليًّا للمرأة في عقد النكاح لمجرد أن والدها رفض تزويجها؛ لأن الولاية حقٌّ شرعيٌّ لا ينتقل عن الأب إلا بسبب معتبر شرعًا. فإن كان رفض الأب لسبب شرعي معتبر، كعدم صلاح الخاطب في دينه أو عجزه عن القيام بحقوق الزوجة، فله أن يرفض. أما إذا كان الخاطب مرضيَّ الدين والخلق، قادرًا على القيام بحقوق الزواج، ورفض الأب لمجرد اختلاف الجنسية أو عدم حصول الخاطب على شهادة جامعية، دون سبب معتبر، فقد يكون ذلك من العضل المحرَّم. وفي هذه الحالة لا تنتقل الولاية إلى إمام المسجد بمجرد رغبة الخاطب والمرأة، وإنما يُرفع الأمر إلى القاضي الشرعي، أو الجهة الإسلامية المختصة في البلاد التي لا توجد فيها محاكم شرعية، للنظر في أسباب الرفض، والتحقق من وقوع العضل، ثم ترتيب الولاية على الوجه الشرعي.
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أولًا: اشتراط الولي في النكاح
الراجح من أقوال أهل العلم أن النكاح لا يصح إلا بولي.
من السنة النبوية:
- رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
«لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ».
- رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الشيخ الألباني.وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ».
وعليه، فلا يجوز تجاوز ولاية الأب وعقد النكاح بإمام المسجد لمجرد عدم موافقة الأب.
ثانيًا: حكم رفض الأب بسبب اختلاف الجنسية أو عدم وجود شهادة جامعية الأصل في اختيار الزوج مراعاة دينه وخلقه، وقد قال الله تعالى:
من القرآن الكريم:
- الحجرات: ١٣
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
من السنة النبوية:
- رواه الترمذي وحسَّنه الألبانيوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ»
فاختلاف الجنسية بين الرجل الباكستاني والمرأة النيجيرية ليس في ذاته مانعًا شرعيًّا من الزواج، وكذلك عدم حصول الرجل على شهادة جامعية. لكن ينبغي النظر أيضًا في قدرته على النفقة، وتحمل مسؤوليات الأسرة، وما قد يترتب على الزواج من مصالح أو مفاسد معتبرة.
ثالثًا: حكم عضل الولي ومنع المرأة من الزواج
من القرآن الكريم:
- البقرة: ٢٣٢
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ
والعضل هو منع المرأة من الزواج بالكفء الذي رضيت به دون مسوِّغ شرعي معتبر. فإذا ثبت أن الأب يمنع ابنته من الزواج ظلمًا، فلا يجوز له الاستمرار في منعها، ولها أن تطلب رفع هذا الظلم بالطريق الشرعي. لكن ليس كل رفض من الأب يُعد عضلًا؛ فقد يكون له سبب معتبر لم يظهر للخاطب.
رابعًا: إلى من تنتقل الولاية إذا ثبت عضل الأب؟
من السنة النبوية:
- رواه والترمذي.وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ:
«فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»
فإذا ثبت عضل الأب، فإن انتقال الولاية يكون وفق الأحكام الشرعية المعتبرة، وفي المسألة تفصيل بين الفقهاء في انتقالها إلى الولي الأبعد أو إلى القاضي. أما في البلاد التي لا توجد فيها محاكم شرعية، فيُرجع إلى جهة إسلامية موثوقة من أهل العلم والقضاء الشرعي، للنظر في الواقعة وتحديد من يتولى العقد عند ثبوت موجبه. ولا يجوز للخاطب أن يختار بنفسه إمامًا ليكون وليًّا للمرأة متجاوزًا أولياءها الشرعيين.
خامسًا: من أقوال أهل العلم
من أقوال العلماء:
- قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
«وإذا عضلها، أو تكلف في هذه الأمور في إمكانها أن ترفع الأمر للمحكمة إذا كانت في بلاد فيها محكمة؛ حتى تنظر المحكمة في الأمر، وتأخذ على يد الولي».
- وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
«ليس لها أن تزوج نفسها؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا نكاح إلا بولي».
وبيَّن أن الولاية تنتقل إلى من يلي الأب من الأولياء إذا امتنع عن تزويجها بالكفء الذي رضيت به، ثم إلى القاضي إذا امتنع الأولياء.
سادسًا: النصيحة للسائل ننصح السائل بأن يتقدم لخطبة المرأة من وليها بالطريق الشرعي، وأن يبيّن له حسن قصده، وما لديه من إمكانات مادية، ومساعدة والديه له، وخطته لإتمام دراسته والعمل والإنفاق على زوجته. ولا يُشترط في صحة الزواج أن يكون الرجل حاصلًا على شهادة جامعية، ولا أن يكون من جنسية المرأة نفسها، لكن عليه أن يكون قادرًا على أداء الحقوق الزوجية، ولا سيما النفقة والسكن بحسب استطاعته.
من القرآن الكريم:
- النور: ٣٢
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
- النور: ٣٣
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
فإن رفض الأب، فليحاول السائل الاستعانة بأهل الخير والعلم للإصلاح والإقناع، ولا يتعجل في اتهامه بالعضل، ولا في إجراء عقد نكاح دون ولي معتبر.
النتيجة: لا يجوز للسائل أن يجعل إمام المسجد وليًّا للمرأة لمجرد رفض والدها الزواج، بل الأصل أن يتولى الأب عقد النكاح برضا ابنته. فإن كان رفضه لسبب شرعي معتبر، فلا يُعد ذلك عضلًا. وإن منعها من الزواج بكفء رضيت به دون مسوِّغ شرعي، فقد وقع في العضل، ويُرجع في إثبات ذلك وانتقال الولاية إلى الجهة الشرعية المختصة، مع مراعاة ترتيب الأولياء والخلاف الفقهي في هذه المسألة. وإذا كان السائل في بلد لا توجد فيه محاكم شرعية، فليعرض الأمر على مركز إسلامي موثوق أو مجلس شرعي من أهل العلم؛ ليبحثوا الواقعة، لا ليعقدوا النكاح بمجرد طلبه. ونسأل الله تعالى أن يوفق السائل لما فيه صلاح دينه ودنياه، وأن ييسر له الزواج الحلال، وأن يرزقه العلم النافع والعمل الصالح. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
حكم الزواج من غير السلفي إذا لم يقع في الشرك
هل يجوز الزواج من شخصٍ ليس سلفيًّا (لديه بعض الانحرافات في العقيدة) ولكنه لا يقع في الشرك، وذلك لأن الزواج المبكر مستحب؟ أم ينبغي الانتظار حتى نجد شخصًا سلفيًّا؟
حكم الاقتراب من الفتاة للزواج بالطريقة الصحيحة
إذا وجدتَ فتاةً ترغب في الزواج منها، فكيف يمكنك الاقتراب منها بطريقةٍ حلال؟ هل يجوز أن تتحدث إليها وتطلب منها أن تعطي رقم هاتفك لوالدها؟
حكم الزواج من امرأة تلبس الحجاب دون النقاب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقد كنتُ أبحث بنشاط عن زوجةٍ صالحةٍ تلتزم باللباس الشرعي الكامل، بما في ذلك النقاب، وذلك منذ حوالي ستة أشهر إلى سنة. وعلى الرغم من جهودي الصادقة، فقد وجدتُ صعوبةً في العثور على مثل هذه المرأة. أنا قادرٌ جسديًّا وماليًّا على الزواج، والحمد لله. فهل يجوز لي أن أتزوج امرأةً تلبس الجلباب والحجاب فقط، أي تلبس لباسًا محتشمًا دون النقاب، إذا لم أجد من تلبس النقاب؟
هل يُقدِّم الشاب المسلم الزواج أم الدراسة وبناء مستقبله المهني؟
أبلغ من العمر 25 عامًا. أريد أن أكمل دراستي الجامعية وأبني مسيرتي المهنية، وفي الوقت نفسه أشعر بالرغبة الجنسية. أريد أن أعرف: أيهما أولى في الإسلام بالنسبة لحالتي: الزواج أولًا أم بناء مستقبلي الدراسي والمهني أولًا؟ وما هو توجيه الشريعة الإسلامية في مثل وضعي؟
هل يجوز للرجل الشيعي الاثني عشري الزواج من امرأة سنية؟
السلام عليكم يا شيخ، كنتُ سابقًا في علاقة محرمة مع فتاة سنية حنفية المذهب، لكننا أنهينا هذه العلاقة من أجل التركيز على ديننا ودراستنا. ونرجو من الله سبحانه وتعالى أن يجمع بيننا مستقبلًا بالزواج الحلال، إن شاء الله. أنا شيعي اثنا عشري، وسؤالي هو: هل يجوز لوالدها السني شرعًا أن يوافق على زواجها مني رغم الاختلافات المذهبية بيننا؟ وللتوضيح، فقد نشأتُ على عدم سبّ الصحابة رضي الله عنهم أو الإساءة إليهم، وأنا أحترم معتقدات أهل السنة، كما أنني أصلي الصلوات الخمس كل صلاة في وقتها، ولا أجمع بينها. فمن منظور أهل السنة، هل يكون زواجنا جائزًا شرعًا، أم أن كوني شيعيًا يمنع والدها من الموافقة على زواجها مني؟ جزاك الله خيرًا يا شيخ.