هل يُقدِّم الشاب المسلم الزواج أم الدراسة وبناء مستقبله المهني؟
السؤال: أبلغ من العمر 25 عامًا. أريد أن أكمل دراستي الجامعية وأبني مسيرتي المهنية، وفي الوقت نفسه أشعر بالرغبة الجنسية. أريد أن أعرف: أيهما أولى في الإسلام بالنسبة لحالتي: الزواج أولًا أم بناء مستقبلي الدراسي والمهني أولًا؟ وما هو توجيه الشريعة الإسلامية في مثل وضعي؟
ملخص الجواب:
الأصل أن الزواج يُقدَّم إذا كان الشاب قادرًا عليه ويخشى الوقوع في الحرام؛ لأن حفظ الدين والعفة مقدم على المصالح الدنيوية. أما إذا لم يكن قادرًا على مؤونة الزواج، أو لا يخشى الفتنة، فلا حرج أن يُكمل دراسته ويؤسس مستقبله، مع لزوم العفة وغض البصر والإكثار من الصيام.
الجواب:
أولًا: الأدلة من القرآن:
من القرآن الكريم:
- النور:٣٢
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
فهذه الآية تحث على الزواج، وتنهى عن تركه خوفًا من الفقر، مع الوعد بأن الله يوسع الرزق لمن شاء.
- النور: ٣٣
(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)
فمن لم يستطع الزواج مأمور بالعفة حتى ييسر الله له.
ثانيًا: الأدلة من السنة:
من السنة النبوية:
- رواه البخاري ومسلم.عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
فالحديث يدل على أن من قدر على مؤونة الزواج وأسبابه فالسنة المؤكدة - بل قد يجب في حقه إذا خاف الوقوع في الحرام - أن يبادر إليه.
ثالثًا: أقوال أهل العلم:
من أقوال العلماء:
- - الإمام ابن قدامة رحمه الله:
قال: "والناس في النكاح على ثلاثة أضرب؛ منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح."
- - الإمام النووي رحمه الله:
"... فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العنت أن يتزوج..."
- - الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله قال:
"المشروع للشاب والشابة المبادرة في الزواج، وأن لا يؤخر الزواج... والصواب أنه واجب مع وجود الشهوة والاستطاعة... ولا يجوز التأخير إلى انتهاء الدراسة؛ لأن في التأخير أخطارًا كثيرة."
- وقال أيضًا:
"المشروع للشاب والشابة المبادرة في الزواج، وأن لا يؤخر الزواج... والصواب: أنه واجب مع وجود الشهوة والاستطاعة، والمرأة كذلك إذا خطبها الكفء وجب عليها الموافقة، ولا يجوز لها التأخير إلى انتهاء الدراسة، أو لكذا وكذا؛ لأن في التأخير أخطارًا كثيرة."
- وقال أيضًا:
"لا ينبغي الاعتذار بالدراسة... ينبغي البدار بالزواج حتى يغض بصره ويحصن فرجه."
رابعًا: كيف يوازن المسلم بين الزواج والدراسة؟ ليس في الشريعة تعارض بين الزواج والدراسة أو بناء المستقبل، بل يستطيع كثير من الناس الجمع بينهما إذا أحسن التخطيط. • فإن كان: قادرًا على النفقة الأساسية، ويجد امرأة صالحة، ويخشى على نفسه الفتنة؛ فالأولى أن يتزوج ويواصل دراسته أو عمله بعد ذلك. • أما إذا: كان عاجزًا عن النفقة، أو لا يستطيع تحمل مسؤولية الزواج، ولا يخشى الوقوع في الحرام؛ فله أن يؤخر الزواج حتى يتهيأ، مع لزوم العفة، وغض البصر، والإكثار من الصيام كما أرشد النبي ﷺ. النتيجة: إذا كنت في الخامسة والعشرين، وتجد في نفسك شهوة، وتخشى الوقوع في الحرام، وتستطيع تحمل أعباء الزواج الأساسية، فلا تجعل الدراسة أو بناء المستقبل سببًا لتأخير الزواج؛ بل بادر إليه، ثم واصل دراستك ومسيرتك المهنية، فهذا هو الأقرب لهدي القرآن والسنة، وهو الذي نص عليه جمع من أهل العلم. أما إذا لم تكن مستطيعًا أو لا تخشى الفتنة، فلا حرج في تأخير الزواج حتى تتيسر أسبابه، مع المحافظة على العفة والاستعانة بالصيام وغض البصر.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
حكم الزواج من غير السلفي إذا لم يقع في الشرك
هل يجوز الزواج من شخصٍ ليس سلفيًّا (لديه بعض الانحرافات في العقيدة) ولكنه لا يقع في الشرك، وذلك لأن الزواج المبكر مستحب؟ أم ينبغي الانتظار حتى نجد شخصًا سلفيًّا؟
حكم الاقتراب من الفتاة للزواج بالطريقة الصحيحة
إذا وجدتَ فتاةً ترغب في الزواج منها، فكيف يمكنك الاقتراب منها بطريقةٍ حلال؟ هل يجوز أن تتحدث إليها وتطلب منها أن تعطي رقم هاتفك لوالدها؟
هل يجوز الاستمناء بسبب تأخر الزواج وشدة الشهوة؟
لدي سؤالان مرتبطان ببعضهما: 1. إذا كان الشخص يعاني من تأخر طويل في الزواج بسبب عدم العثور على قسمته، وكان يجد صعوبة كبيرة في الصبر وكبح شهوته، فهل يجوز له الاستمناء في مثل هذه الحالة؟ 2. وإذا كان الشخص غير قادر على الزواج تمامًا — على سبيل المثال، بسبب رفض الوالدين أو وجود عوائق خارجة عن إرادته — ولا يبدو أن هناك طريقًا للزواج، فهل يجوز له في هذه الحالة اللجوء إلى الاستمناء للتخفيف من المشقة؟
حكم الزواج من امرأة تلبس الحجاب دون النقاب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقد كنتُ أبحث بنشاط عن زوجةٍ صالحةٍ تلتزم باللباس الشرعي الكامل، بما في ذلك النقاب، وذلك منذ حوالي ستة أشهر إلى سنة. وعلى الرغم من جهودي الصادقة، فقد وجدتُ صعوبةً في العثور على مثل هذه المرأة. أنا قادرٌ جسديًّا وماليًّا على الزواج، والحمد لله. فهل يجوز لي أن أتزوج امرأةً تلبس الجلباب والحجاب فقط، أي تلبس لباسًا محتشمًا دون النقاب، إذا لم أجد من تلبس النقاب؟
كيف يجمع الشاب المسلم بين طلب العلم الشرعي والدراسة الجامعية والتجارة؟
ما نصيحتكم لشابٍّ يبلغ من العمر ستةَ عشرَ عامًا يسعى لطلب العلم الشرعي، وحفظ القرآن، وفي الوقت نفسه يدرس في الكلية ويفكّر في العمل أو التجارة؟
كيف يطلب المسلم العامل علم الفقه إذا لم يتيسر له التلقي المباشر عن شيخ؟
: أنا رجل أعمل ولدي مسؤوليات أسرية. أعمل في مكتب، ومع أن لدي بعض الوقت الفراغ أثناء اليوم، إلا أنني لا أستطيع السفر أو التفرغ لطلب العلم بدوام كامل. ومنَّ الله عليَّ بالهداية إلى المنهج السلفي منذ نحو سنتين. ولكن منذ ذلك الحين لم ألتقِ في منطقتي بأي شيخ سلفي، ولا حتى طالب علم سلفي، أتمكن من التلقي عنه مباشرة. وقد درست بعض المتون الأساسية في العقيدة، وأرغب الآن في أن أبدأ بدراسة الفقه دراسةً صحيحة، وأن أبني فيه أساسًا متينًا. ولدي رغبة شديدة في طلب العلم، لكنني كثيرًا ما أسمع العلماء يحذرون من طلب العلم دون شيخ. وفي الوقت نفسه، يصعب عليَّ في الوقت الحاضر أن أدرس على يد شيخ بسبب ظروف عملي وأحوالي المالية. فسؤالي هو: ما الذي ينبغي لمن كان في مثل حالي أن يفعله؟ وهل يجوز لي أن أواصل دراسة الفقه من خلال الكتب والدروس المسجلة، مع عدم تمكني من التلقي المباشر عن شيخ؟