ما حكم أخذ العلم عن إمام يُخفي عقيدته بسبب الخوف؟
السؤال: سؤالي يتعلق بالأخذ عن إمام يُخفي عقيدته. يوجد في منطقتنا شيخ على السلفية، ويُدرِّس كتبًا يدرسها السلفيون، مثل رياض الصالحين، والأربعين النووية، وبلوغ المرام، وغيرها. ولكن عندما يتعلق الأمر بدروس العقيدة، فإنه يدرِّسها في حلقات صغيرة وبصورة خاصة فقط، لأن غالب أهل منطقتنا من الصوفية والأشاعرة في العقيدة. بالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يرد على الأشخاص المنحرفين ولا يحذر منهم بأعيانهم، وإنما يتكلم عن انحرافاتهم بصورة عامة وغير صريحة، بحيث إن من يستمع إليه لا يستطيع أن يعرف من هو الشخص المنحرف المقصود. أريد أن أفهم ما حكم هذا الأمر، إن كان هذا السؤال مناسبًا للطرح.
ملخص الجواب:
إذا كان الشيخ معروفًا بالعقيدة السلفية واتباع السنة، ويدرس كتب أهل السنة، ويقرر عقيدة السلف، فلا يجوز الحكم عليه بالانحراف لمجرد أنه لا يجهر بدروس العقيدة أمام عامة الناس، أو لا يسمي أهل البدع والمنحرفين بأعيانهم. فقد تقتضي الحكمة والمصلحة الشرعية أن يدرّس العقيدة في نطاق خاص، أو يؤخر التصريح ببعض المسائل، أو يحذر من الخطأ دون تسمية صاحبه؛ خشية الأذى أو المنع من التعليم أو حصول مفسدة أكبر، أو لأنه يرى أن الوقت والحال لا يناسبان التصريح بالأسماء.
الجواب:
أولًا: الأصل أن العالم يبين الحق
من القرآن الكريم:
- النحل: ١٢٥
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
فالمطلوب هو بيان الحق، ولكن الله أمر أن يكون ذلك بالحكمة؛ والحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه المناسب، ومراعاة أحوال المدعوين وما يترتب على الكلام من مصالح ومفاسد.
ثانيًا: ليس من شرط التحذير من البدعة تسمية صاحبها دائمًا المقصود من الرد والتحذير هو حماية الناس من الباطل وبيان السنة، وليس ذكر أسماء الأشخاص غاية في نفسه. فإذا قال العالم مثلًا: هذا الاعتقاد مخالف للسنة، وهذا الفعل بدعة، والصواب كذا؛ فقد بيّن الحكم وحذر من الخطأ، ولو لم يقل: فلان بعينه مبتدع أو منحرف. أما إذا دعت الحاجة إلى تعيين شخص لحماية الناس من شره وبدعته، فحينئذ يكون للتعيين موضعه بحسب المصلحة. ثالثًا: قد تكون المصلحة في عدم التصريح وهذه نقطة مهمة في حالة السائل. فقد يكون الشيخ في منطقة يغلب عليها التصوف أو العقائد الكلامية، ويعلم أنه لو جهر ببعض المسائل أو بدأ بتسمية الأشخاص لأُوذي، أو مُنع من التدريس، أو أُغلق عليه باب الدعوة، أو نفر الناس منه قبل أن يتعلموا السنة. فقد يرى أن الحكمة أن يبدأ بتعليمهم الصلاة والحديث والأخلاق والعبادات، ثم يعلم العقيدة بالتدرج، ويبين الأخطاء دون الدخول في الأسماء في الوقت الحالي.
من أقوال العلماء:
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
«فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به».
فليس كل ما يجوز قوله يجب قوله في كل وقت ومكان وبالطريقة نفسها.
رابعًا: ومراعاة الحكمة في الدعوة الواجب على الداعي إلى الله والآمر والناهي أن يتحرى الوسائل في الإقناع؛ لأن المقصود ما هو أنك قلت وأمرت، المقصود الفائدة فالمقصود حصول الهداية والنفع، وليس مجرد إظهار الشدة أو التصريح بالأسماء. كيف يحذر المسلم من البدع والتصوف؟ التحذير من البدع: يكون ذلك «بالكلام الطيب والحكمة والرفق». خامسًا: حتى التعامل مع أهل البدع يراعى فيه النفع والضرر الحكمة في هجر أهل البدع والمعاصي «الهجر علاج ودواء، يُفعل حيث نفع، ويُترك حيث لا ينفع». وهذا يبين أصلًا مهمًا: أن بعض وسائل الإنكار والتحذير ليست مقصودة لذاتها، وإنما ينظر في أثرها ومصلحتها. فإذا كان التصريح باسم شخص معين سيؤدي إلى شر أكبر دون فائدة معتبرة، فقد تكون الحكمة في بيان خطئه دون تسميته. سادسًا: كيف نحكم على هذا الشيخ؟ لا ينبغي أن يكون الميزان الوحيد هو: هل يسمي أهل البدع بأسمائهم أم لا؟ بل ينظر إلى مجموع حاله: هل عقيدته عقيدة أهل السنة؟ هل يقرر التوحيد والسنة؟ هل يحذر من البدع نفسها؟ هل يدرس كتب السنة؟ هل يبتعد عن تقرير العقائد الصوفية والكلامية؟ هل عدم تصريحه راجع إلى الحكمة والمصلحة والخوف من الضرر؟ فإذا كان كذلك، فلا يصح اتهامه بأنه يخفي عقيدته مداهنة لمجرد أنه لا يصرح بالأسماء. أما إذا كان يقرر البدع، أو يمدح العقائد الباطلة، أو يلبس على الناس دينهم، أو يكتم الحق مداهنة مع قيام الحاجة إلى البيان وقدرته عليه، فهذه حالة أخرى وحكمها يختلف. النتيجة: إذا كان الشيخ سلفي العقيدة، معروفًا بالسنة، يقرر الحق ويحذر من البدع، فلا يضره أنه لا يسمي أهل البدع والمنحرفين بأعيانهم، ولا أنه يجعل بعض دروس العقيدة خاصة. فقد تقتضي الحكمة والمصلحة الشرعية ألا يجهر في الوقت الحالي ببعض المسائل أو بأسماء المنحرفين؛ لأنه قد يتعرض للأذى أو المنع من التدريس، أو يؤدي ذلك إلى تنفير الناس وإغلاق باب الدعوة، خصوصًا في بيئة يغلب عليها التصوف أو العقائد الكلامية. فعدم ذكر الأسماء ليس دليلًا بمجرده على المداهنة أو الانحراف، وإنما العبرة بصحة عقيدته وما يقرره من الحق والسنة، مع مراعاة الحكمة والمصلحة في كيفية الدعوة والإنكار.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
الإجازة العلمية وأهميتها
هل يحتاج العالِم إلى إجازة لنأخذ منه العلم؟ وما الجواب على من يقول إن الإمام الألباني لم تكن لديه إجازة، فلا ينبغي أن نأخذ العلم منه؟
الانتفاع بعلم من انتسب إلى الأشاعرة، وكيف يُجاب عن ذلك
إذا كان لا يجوز الأخذ عن أهل البدع ولا الاستماع إليهم، فكيف نتعامل مع العلماء الذين عُرِف عنهم الانتساب إلى الأشاعرة، مثل السيوطي والجويني وغيرهم؟ وماذا أُجيب من يحتجّ بهذا عليّ ويقول: كيف نمنع الأخذ عن أهل البدع ومع ذلك ننتفع بكتب هؤلاء العلماء؟
كيف يطلب المسلم العامل علم الفقه إذا لم يتيسر له التلقي المباشر عن شيخ؟
: أنا رجل أعمل ولدي مسؤوليات أسرية. أعمل في مكتب، ومع أن لدي بعض الوقت الفراغ أثناء اليوم، إلا أنني لا أستطيع السفر أو التفرغ لطلب العلم بدوام كامل. ومنَّ الله عليَّ بالهداية إلى المنهج السلفي منذ نحو سنتين. ولكن منذ ذلك الحين لم ألتقِ في منطقتي بأي شيخ سلفي، ولا حتى طالب علم سلفي، أتمكن من التلقي عنه مباشرة. وقد درست بعض المتون الأساسية في العقيدة، وأرغب الآن في أن أبدأ بدراسة الفقه دراسةً صحيحة، وأن أبني فيه أساسًا متينًا. ولدي رغبة شديدة في طلب العلم، لكنني كثيرًا ما أسمع العلماء يحذرون من طلب العلم دون شيخ. وفي الوقت نفسه، يصعب عليَّ في الوقت الحاضر أن أدرس على يد شيخ بسبب ظروف عملي وأحوالي المالية. فسؤالي هو: ما الذي ينبغي لمن كان في مثل حالي أن يفعله؟ وهل يجوز لي أن أواصل دراسة الفقه من خلال الكتب والدروس المسجلة، مع عدم تمكني من التلقي المباشر عن شيخ؟
هل يُنصح بطلب العلم من الكتب بشكل مستقل، أم يقتصر ذلك على الاستماع إلى العلماء؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .أود أن أسأل عن طلب العلم. هل تنصحون الطلاب بأن يقتصروا على طلب العلم من خلال الاستماع إلى العلماء ودروسهم، مثل الدروس الموجودة على اليوتيوب، أم أنه لا بأس أيضًا بقراءة الكتب مثل كتاب التوحيد مع شرح الشيخ عبد الرحمن السعدي، أو العقيدة الواسطية مع شرح شيخ الإسلام ابن تيمية، بمفردي؟ وإذا كانت القراءة المستقلة جائزة، فهل هناك شروط أو نصائح توجهونها لمن يسلك هذا الطريق؟ جزاكم الله خيرًا..
هل يجوز دراسة الكتب التي ليست في العقيدة لمؤلفين أشاعرة؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هل يجوز لنا دراسة الكتب التي ليست في العقيدة لمؤلفين أشاعرة، مثل كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي؟ وبصفة عامة، هل يجوز أن نتعلم من الأشاعرة فيما لا يتعلق بالعقيدة؟ وهل يجوز أن ندرس كتبهم في العقيدة بقصد الرد عليهم وبيان أخطائهم؟