ماذا تفعل المرأة إذا كانت تدرس في الخارج وقد سافرت دون محرم؟
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا. بارك الله فيكم، وجزاكم خيرًا، ورزقكم وإياكم وأهلكم الفردوس الأعلى. هناك أخت تدرس في الخارج في بلدٍ مسلم، بعيدًا عن أهلها. وقد اتخذت قرار الدراسة في فترة كانت فيها مقصرة وغير مدركة لحكم سفر المرأة ذهابًا وإيابًا دون محرم، فتساهلت في هذا الأمر. ولا يزال أمامها بضع سنوات لإكمال دراستها الجامعية، وهي الآن قلقة بشأن هذا الحكم، وقد أصبح يؤرقها. ولا يستطيع والدها أن يرافقها في كل رحلة بسبب التكاليف المالية. فما الذي ينبغي لها أن تفعله في مثل هذه الحال؟
ملخص الجواب:
إذا كانت هذه الأخت قد سافرت للدراسة وهي تجهل حكم سفر المرأة بلا مَحرم، ثم علمت بالحكم بعد ذلك، فالواجب عليها أن تتوب إلى الله تعالى من هذا السفر المحرم، وأن تعزم على عدم تكراره. ولا يجوز لها أن تستمر في السفر ذهابًا وإيابًا بلا مَحرم إذا أمكنها ترك ذلك. فإن أمكن انتقالها إلى جامعة في بلدها، أو إكمال دراستها بطريقة لا تستلزم السفر المحرم، وجب عليها ذلك. أما إن تعذر ذلك، وكانت في أثناء الدراسة، فإنها تجتهد في تقليل السفر، وتسعى إلى وجود مَحرم في كل رحلة، وتتقي الله ما استطاعت، مع المبادرة إلى التوبة والاستغفار.
الجواب:
الأصل أن سفر المرأة بلا مَحرم,
من السنة النبوية:
- ثبت في الصحيحينعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:
«لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». متفق عليه.
- في الصحيحين وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». متفق عليه.
فهذه النصوص عامة، ولم تستثنِ سفرًا للدراسة، ولا للعمل، ولا للسياحة، ولا لغير ذلك. لكن هذه الأخت ذكرت أنها اتخذت قرار الدراسة وهي لا تعلم الحكم الشرعي، فمن وقع في معصية جاهلًا بالحكم ثم علمه، فالواجب عليه أن يتوب إلى الله، فإن الله تعالى يقول:
من القرآن الكريم:
- النور: ٣١
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
- التغابن: ١٦
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
• فإذا علمت بالحكم فلا يجوز لها أن تتهاون به أو تستمر في مخالفته مع القدرة على اجتنابه. • فإن أمكنها أن تنتقل إلى جامعة في بلدها، أو إلى مكان لا تحتاج معه إلى السفر المحرم، أو تؤجل الدراسة حتى يتيسر وجود مَحرم، فهذا هو الواجب. • أما إذا كانت في أثناء الدراسة، ويترتب على الانقطاع عنها ضرر كبير، ولا تستطيع والدها أو أحد محارمها مرافقتها في كل رحلة، فإن عليها أن تتقي الله بحسب استطاعتها، وأن تجتهد في تقليل السفر، وألا تسافر إلا مع مَحرم متى تيسر، وأن تبحث عن أي وسيلة مباحة تعينها على الالتزام بالحكم الشرعي، مع الإكثار من التوبة والاستغفار، وعدم الرضا بهذا الواقع أو التساهل فيه.
من أقوال العلماء:
- قال عبد العزيز بن باز رحمه الله:
" أما سفر المرأة من دون محرم فهذا لا يجوز، وقد نص الشارع على ذلك، ونص النبي ﷺ على منع ذلك، فقال في الحديث الصحيح: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم."
- وقال محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:
" لا يحل للمرأة أن تسافر بدون محرم لا للعلم ولا للحج ولا للعمرة ولا للزيارة ولا لغير ذلك, لعموم قول النبي ﷺ: لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن قال: «لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». متفق عليه
- وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله:
هل يجوز السفر المرأة بدون محرم بالطائرة فقال: لا يجوز، ما دام سفراً فلا يجوز، ولا فرق بين السفر بالطائرة أو السيارة أو الدابة، ما دام أن كل هذه المُسيرات تدخل في مسمى السفر شرعاً.
النتيجة: • هذه الأخت مأجورة -إن شاء الله- على خوفها من الله تعالى، وحرصها على معرفة الحكم الشرعي، وسؤالها عنه؛ فإن هذا من علامات حياة القلب وتعظيم أمر الله. والواجب عليها أن تتوب إلى الله مما مضى، وأن تعزم على عدم تكرار السفر بلا مَحرم، وأن تجتهد في تصحيح وضعها بما تستطيع. فإن أمكنها ترك هذا السفر، أو الانتقال إلى وسيلة مباحة لإكمال دراستها، وجب عليها ذلك، وإن عجزت عن إزالة جميع المخالفة في الحال، فإنها تتقي الله ما استطاعت، وتسعى في تقليلها، وتجتهد في ألا تسافر إلا مع مَحرم متى تيسر. • ونوصيها بتقوى الله عز وجل، وتعظيم حدوده، وألا يحملها الحرص على الشهادة أو مصالح الدنيا على الاستمرار في أمر نهى الله ورسوله عنه؛ فإن ما عند الله خيرٌ وأبقى، ومن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. • وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تعلم أن الاستمرار على المعصية بعد العلم بحكمها أمرٌ خطير، وأن المؤمن الصادق يُسَلِّم لأمر الله ورسوله، ولا يُقدِّم رغباته أو مصالحه على طاعة ربه، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. • فلتبادر إلى التوبة الصادقة، ولتحسن الظن بربها، ولتكثر من الدعاء والاستغفار، وتسأله سبحانه أن ييسر لها سبيلًا مباحًا لإتمام دراستها، فإن من صدق مع الله صدق الله معه، ومن اتقاه جعل له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، والله ولي التوفيق.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
أحكام صلاة المسافر: القصر، والجمع، والمسح على الخفين والجوارب
أسألُ اللهَ سبحانه وتعالى أن يُجازي الشيخَ خيرًا ويباركه، وأن يجزي كلَّ من شارك في هذا العمل. ما هي أحكامُ صلاةِ المسافر؟ أرجو شرحًا مفصّلًا عن الجمع بين الصلوات، وقصر الصلاة، والمسح على الخفّين (أو الجوارب)، وغير ذلك. بارك الله فيك
سفر المرأة للحج أو العمرة دون محرم
هل يجوز للمرأة أن تؤدي الحج أو العمرة وحدها؟
حكم السفر للسياحة والتعرّف على التاريخ الإسلامي ولقاء المسلمين
يسأل السائل: عندي سؤالان: هل السفر إلى بلد لمجرد السياحة جائز؟ وماذا عن السفر إلى بلد من أجل التعرف على التاريخ الإسلامي ولقاء المسلمين الجدد، مثل البوسنة والهرسك أو تركيا ونحو ذلك؟ وهل الحالة الثانية تُعتبر وسيلة لنيل الأجر من الله؟
هل السفر إلى بلد لمجرد السياحة جائز؟ وماذا عن السفر إلى بلد من أجل التعرف على التاريخ الإسلامي ولقاء المسلمين الجدد؟
عندي سؤالان: هل السفر إلى بلد لمجرد السياحة جائز؟ وماذا عن السفر إلى بلد من أجل التعرف على التاريخ الإسلامي ولقاء المسلمين الجدد، مثل البوسنة والهرسك أو تركيا ونحو ذلك؟ وهل الحالة الثانية تُعتبر وسيلة لنيل الأجر من الله؟
هل يجوز للمرأة أن تسافر إلى بلد آخر بمفردها أو مع امرأة أخرى؟
هل يجوز للمرأة أن تسافر إلى بلد آخر بمفردها؟ وما الحكم إذا سافرت مع امرأة أخرى؟