لماذا يجب فهم القرآن والسنة وفق فهم السلف؟
السؤال: لماذا من المهم أن يفهم المسلم القرآن والسنة وفق فهم السلف؟ ولماذا لا يمكننا أن نفسر القرآن والسنة بالقرآن والسنة فقط؟ وأكون شاكرًا لكم لو تفضلتم بمساعدتي على فهم هذه المسألة بصورة أعمق، فقد أثار أحد الأشخاص في نفسي مثل هذه التساؤلات، وأريد أن أكون ثابتًا على منهج السلف.
ملخص الجواب:
الواجب على المسلم أن يتمسك بالقرآن والسنة على الفهم الذي كان عليه الصحابة ومن تبعهم بإحسان؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا لغة القرآن وأسباب نزوله، وتلقوا بيان السنة مباشرة من النبي ﷺ، وقد أمر النبي ﷺ عند وقوع الاختلاف باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين. وقولنا: «الكتاب والسنة بفهم السلف» لا يعني إضافة مصدر ثالث إلى الوحي؛ فالحجة الأصلية هي القرآن والسنة، وإنما المقصود أن نفهم الوحي كما فهمه الصحابة والسلف، لا بحسب الأهواء والآراء المحدثة.
الجواب:
أولًا: الأصل هو الرجوع إلى القرآن والسنة
من القرآن الكريم:
- [النساء: ٥٩]
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
من أقوال العلماء:
- قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها:
إن مجاهدًا وغير واحد من السلف قالوا: الرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. (تفسير ابن كثير لسورة النساء الآية 59)
إذن نحن لا نقول: نترك القرآن والسنة ونأخذ أقوال الرجال، بل نقول: الأصل القرآن والسنة، ولكن نفهمهما بالفهم الصحيح الذي تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ.
ثانيًا: الله تعالى أثنى على اتباع الصحابة
من القرآن الكريم:
- التوبة: ١٠٠
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
فالآية لم تقتصر على الثناء على الصحابة، بل أثنت كذلك على الذين اتبعوهم بإحسان. وهذا من أعظم أصول منهج السلف: اتباع النبي ﷺ، والسير على ما كان عليه أصحابه رضي الله عنهم.
ثالثًا: النبي ﷺ أمر عند الاختلاف باتباع سنة الخلفاء الراشدين
من السنة النبوية:
- في صحيح أبي داود عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
« فَإِنَّهُ مِنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّين الرَّاشِدِين تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».
وهذا الحديث مهم جدًا في المسألة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الاختلاف سيقع، ثم لم يقل فقط: « عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي »، بل قال: « وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّين الرَّاشِدِين ». فدل ذلك على أن طريق السلامة عند ظهور الاختلاف هو التمسك بالسنة على الطريق الذي سار عليه الصحابة والخلفاء الراشدون.
رابعًا: النبي ﷺ شهد للقرون الأولى بالخيرية
من السنة النبوية:
- وفي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عن ﷺ: قال:
« خَيْرُ الناس قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهُم، ثمَّ الذين يَلُونَهُم ».
وهذه الخيرية تشمل فضلهم في الدين والعلم والعمل والاتباع، ولا سيما الصحابة الذين تعلموا الدين مباشرة من رسول الله ﷺ. فإذا اختلف فهم متأخر مع الفهم المعروف عن الصحابة والتابعين، فإن فهم السلف أولى وأحرى بالصواب.
• لماذا لا نقول فقط: «القرآن والسنة»؟ لأن جميع الفرق تقريبًا قد تزعم أنها تستدل بالقرآن والسنة، ولكن الاختلاف يقع في كيفية فهم النصوص. فقد يأخذ شخص آية أو حديثًا ثم يفسره بعقله أو هواه أو بأصول فلسفية أو كلامية لم يعرفها الصحابة. • ولهذا فالسؤال ليس فقط: ما الدليل؟ بل كذلك: كيف فهم الصحابة هذا الدليل؟ فالسلف لم يأتوا بدين جديد بجانب القرآن والسنة، وإنما فهمهم ميزان يحفظ المسلم من تحميل النصوص معاني محدثة لم يعرفها الصحابة. • لماذا كان فهم الصحابة مقدمًا؟ لأسباب كثيرة، منها: أنهم عاصروا النبي ﷺ وتلقوا عنه الدين مباشرة. أنهم شهدوا نزول القرآن. أنهم عرفوا أسباب النزول وملابسات النصوص. أنهم أهل اللسان العربي الذي نزل به القرآن. أن النبي ﷺ كان يبين لهم ما أشكل عليهم. أن الله أثنى عليهم في كتابه. أن النبي ﷺ شهد لقرنهم بالخيرية. أن النبي ﷺ أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين عند وقوع الاختلاف. ولهذا ليس من المعقول أن يأتي إنسان بعد أربعة عشر قرنًا ثم يقول: أنا أفهم القرآن والسنة فهمًا لم يعرفه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وسائر الصحابة رضي الله عنهم. • من أقوال السلف والعلماء
من السلف الصالح:
- الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:
قال في أصول السنة: « أُصُولُ السُّنَّةِ عِنْدَنَا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ ».
- وقال:
« وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا اثَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالسُّنَّةِ تُفَسِّرُ القُرْانَ، وَهِيَ دَلَائِل الْقُرْان ».
وهذا نص واضح جدًا: أصل طريق أهل السنة هو التمسك بما كان عليه الصحابة والاقتداء بهم.
من السلف الصالح:
- ومن الأصول المشهورة المنقولة عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله:
« اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ ».
ومعناه أن الدين قد بُيّن، فالمطلوب هو الاتباع لا إحداث طرائق جديدة في فهم الدين والتعبد لله.
قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة أن من أصول أهل السنة الاعتصام بالكتاب والسنة وما اتفق عليه السابقون الأولون، وأن معرفة أقوال الصحابة والتابعين من أعظم ما يعين على معرفة مراد الله ورسوله. وهذا هو معنى منهج السلف: النص أولًا، ثم فهمه على طريقة الصحابة والتابعين، لا على الأصول الكلامية والفلسفية المحدثة. • مثال يوضح المسألة: لو قال رجل: أنا أؤمن بالقرآن وحديث النبي ﷺ، ولكنني سأفهم نصوص صفات الله بحسب ما أراه أنا مناسبًا بعقلي. • وقال آخر: أنا أؤمن بالقرآن والسنة، وأفهم نصوص الصفات كما فهمها الصحابة والتابعون وأئمة السنة، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. فليس الطريقان سواء. كلاهما قد يقول: «دليلي القرآن والسنة»، ولكن الأول جعل عقله وأصوله الخاصة حاكمة على النصوص، والثاني التزم طريق من تلقوا الوحي عن رسول الله ﷺ. ومن هنا تظهر أهمية قول أهل السنة: الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. هل فهم السلف مصدر تشريع مستقل؟ لا. مصدر التشريع هو وحي الله: الكتاب والسنة، والإجماع حجة شرعية كذلك. أما عبارة «بفهم السلف» فالمقصود بها ضبط فهم الكتاب والسنة وعدم تفسيرهما بتفسيرات محدثة تخالف ما كان عليه الصحابة والتابعون. ولهذا قال الله تعالى في حال التنازع:
من القرآن الكريم:
- سورة النساء: ٥٩
﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
من السنة النبوية:
- أبو داود وقال النبي ﷺ عند الاختلاف:
« فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ».
فلا تعارض بين الأمرين، بل أحدهما يفسر الآخر.
النتيجة: منهج السلف ليس دينًا زائدًا على القرآن والسنة، وإنما هو الطريق الصحيح لفهم القرآن والسنة والعمل بهما. فالقرآن والسنة هما الأصل، والصحابة رضي الله عنهم هم أعلم هذه الأمة بمراد الله ورسوله بعد النبي ﷺ؛ لأنهم شهدوا التنزيل، وتلقوا السنة مباشرة، وعرفوا لغة الوحي وأسباب نزوله، وقد زكاهم الله ورسوله ﷺ. ولهذا فإن قولنا: «نتبع القرآن والسنة بفهم السلف» معناه: نأخذ الدين من الوحي، ونفهمه كما فهمه الصحابة والتابعون وأئمة السنة، ولا نقدم على ذلك الأهواء والعقول والمناهج المحدثة. فالسلامة عند الاختلاف تكون بالرجوع إلى الكتاب والسنة، مع لزوم سبيل الصحابة والسلف الصالح؛ اتباعًا لا ابتداعًا.
والله أعلم.
← العودة إلى الأسئلةفتاوى ذات صلة
منهجية وشروط دراسة الكتب الستة الحديثية
يقول السائل: ما هي الشروط المسبقة لطالب العلم ليبدأ في دراسة الكتب الستة الحديثية وغيرها مثل الموطأ، وهل ينبغي له أن يصل إلى مستوى معيَّن في علم الحديث، والنحو، والصرف، وأصول الفقه، وغيرها من العلوم قبل دراسة هذه الكتب؟
كيف يمكن للإنسان أن يُنشئ علاقة قوية مع القرآن ويكون من أهل الله وخاصّته
كيف يمكن للإنسان أن يُنشئ علاقةً قوية مع القرآن، وأن يكون من أهل الله وخاصة؟
كيف يجمع الشاب المسلم بين طلب العلم الشرعي والدراسة الجامعية والتجارة؟
ما نصيحتكم لشابٍّ يبلغ من العمر ستةَ عشرَ عامًا يسعى لطلب العلم الشرعي، وحفظ القرآن، وفي الوقت نفسه يدرس في الكلية ويفكّر في العمل أو التجارة؟
كيف يبدأ السلفي المبتدئ في دراسة الفقه دون أن يقع في الحيرة بسبب اختلاف أقوال العلماء؟
بوصفي سلفيًا، كيف ينبغي لي أن أبدأ في دراسة الفقه، ومن أين أبدأ؟ لقد حاولت دراسة الفقه من خلال نحو ثلاثة كتب مختلفة كتبها علماء سلفيون، وتمكنت من إنهاء باب الصلاة فقط، ثم بدأت أشعر بالحيرة. فكان أحد المشايخ يقول قولًا، بينما يقول شيخ آخر قولًا مختلفًا. وبسبب هذه الاختلافات، شعرت بالارتباك الشديد، حتى توقفت عن دراسة الفقه تمامًا. فهل يمكنكم أن ترشدوني إلى المنهج الصحيح في دراسة الفقه؟ وما الكتاب الذي تنصحونني أن أبدأ به؟ وكيف أتدرج في طلب العلم حتى أتجنب الوقوع في الحيرة والاضطراب؟
كيف يطلب المسلم العامل علم الفقه إذا لم يتيسر له التلقي المباشر عن شيخ؟
: أنا رجل أعمل ولدي مسؤوليات أسرية. أعمل في مكتب، ومع أن لدي بعض الوقت الفراغ أثناء اليوم، إلا أنني لا أستطيع السفر أو التفرغ لطلب العلم بدوام كامل. ومنَّ الله عليَّ بالهداية إلى المنهج السلفي منذ نحو سنتين. ولكن منذ ذلك الحين لم ألتقِ في منطقتي بأي شيخ سلفي، ولا حتى طالب علم سلفي، أتمكن من التلقي عنه مباشرة. وقد درست بعض المتون الأساسية في العقيدة، وأرغب الآن في أن أبدأ بدراسة الفقه دراسةً صحيحة، وأن أبني فيه أساسًا متينًا. ولدي رغبة شديدة في طلب العلم، لكنني كثيرًا ما أسمع العلماء يحذرون من طلب العلم دون شيخ. وفي الوقت نفسه، يصعب عليَّ في الوقت الحاضر أن أدرس على يد شيخ بسبب ظروف عملي وأحوالي المالية. فسؤالي هو: ما الذي ينبغي لمن كان في مثل حالي أن يفعله؟ وهل يجوز لي أن أواصل دراسة الفقه من خلال الكتب والدروس المسجلة، مع عدم تمكني من التلقي المباشر عن شيخ؟
ما المقصود بالمنهج السلفي، وما الفرق بينه وبين العقيدة والفقه، وكيف يُطبَّق عمليًّا؟
: لقد ظل قلبي مثقلًا بهذا الأمر منذ مدة طويلة. نحن نفهم أن **العقيدة** تتعلق بالاعتقادات، وأن **الفقه** يتعلق بالأحكام، لكنني أجد صعوبة في فهم المقصود تحديدًا بـ **المنهج السلفي**. فبعض الناس يقولون إنه لا يوجد شيء مستقل يسمى «المنهج»، وإنما الأمر يتعلق فقط بالنظر إلى من هو أكثر ولاءً للحاكم ومن ليس كذلك، بينما يقول آخرون إن المنهج يعني اتباع القرآن والسنة وفق فهم السلف. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نحتاج إلى مصطلح **«المنهج»**، مع أن المذاهب في الأصل تتبع القرآن والسنة وفق فهم السلف؟ كما سمعت مقطعًا قديمًا منسوبًا إلى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يتحدث فيه عن المنهج، ويقول إنه يتعلق بمسألة العبادة. فنرجو منكم التوضيح: ما المقصود بالمنهج تحديدًا؟ وكيف يُطبَّق في الحياة العملية؟ وإن أمكن، نرجو شرحه مع ذكر أمثلة.