ما معنى حديث: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن»؟

السؤال: هل يمكن أن تشرحوا لي هذا الحديث بسبب الشكوك التي تراودني قبل الزواج: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَقُلْتُ رَسُولُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ قَالَ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ إِنِّي أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ ‏.‏ قَالَ ‏"‏ أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ ‏"‏ ‏.‏ قَالَ قُلْتُ لاَ ‏.‏ قَالَ ‏"‏ فَلاَ تَفْعَلُوا لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ ‏"‏ ‏.‏

ملخص الجواب:

الحديث ثابت في أصل معناه، وقد صحح الشيخ الألباني حديث قيس بن سعد رضي الله عنه، لكنه قال عن هذه الطريق: «صحيح دون جملة القبر». أي ضعيف هذه الجملة ومعنى الحديث ليس أن المرأة مأمورة بالسجود لزوجها؛ بل النبي ﷺ نهى عن السجود للبشر بقوله: «فلا تفعلوا»، ثم بيّن بعرضٍ افتراضي: لو جاز أن يُؤمر إنسان بالسجود لإنسان لكان الزوج من أحق الناس بذلك بسبب عظم حقه على زوجته؛ لكن السجود لغير الله ممنوع أصلًا. والحديث يدل على عظم حق الزوج وطاعته في المعروف، ولا يدل على أن الزوج يملك أن يأمر زوجته بكل ما يشاء، أو أن يهينها أو يظلمها؛ فإن الله أوجب عليه أيضًا معاشرتها بالمعروف، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

الجواب:

أولًا: صحة الحديث

الحديث رواه أبو داود (٢١٤٠) عن قيس بن سعد رضي الله عنه، وسكت عنه أبو داود، وما سكت عنه في سننه فهو عنده صالح. وصححه الشيخ الألباني، وقال: «صحيح دون جملة القبر».

ثانيًا: لماذا قال النبي ﷺ: «لو كنت آمرًا»؟

هذه العبارة مهمة جدًا لفهم الحديث.

النبي ﷺ لم يقل للنساء: اسجدن لأزواجكن، وإنما قال:

«لو كنت آمرًا...»

أي: على سبيل الفرض الممتنع؛ فالسجود لغير الله ليس مأذونًا فيه في شريعتنا.

وقصة الحديث نفسها توضح ذلك: لما رأى قيس رضي الله عنه أهل الحيرة يسجدون لعظيمهم، ظن أن رسول الله ﷺ أولى بالتعظيم، فأراد السجود له، فمنعه النبي ﷺ وقال: «فلا تفعلوا».

فإذا كان رسول الله ﷺ، وهو أفضل البشر، لم يسمح لأصحابه أن يسجدوا له، فمن باب أولى ألا يجوز للمرأة أن تسجد لزوجها.

وشرح الحديث المنشور في الكتب الحديثية يبين أن السجود من أعظم أنواع التعظيم، وأنه لا يستحقه إلا الله، وأن قوله ﷺ في الزوج إنما يدل على عظم حقه على زوجته.

ثالثًا: ما المقصود إذن من ذكر الزوج؟

المقصود المبالغة في بيان عظم حق الزوج، وليس تشريع السجود له.

وقد بوّب أبو داود لهذا الحديث:

«باب في حق الزوج على المرأة».

فالزوج له حق الطاعة في المعروف، وحفظ بيته وماله وعرضه، وتمكينه من حقوق الزوجية المشروعة، وعدم إدخال من يكره إلى بيته، وغير ذلك من الحقوق التي جاءت بها الشريعة.

والشيخ عبد المحسن العباد شرح هذا الحديث ضمن شرح سنن أبي داود تحت عنوان: «شرح حديث: لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد»، في باب حق الزوج على المرأة.

رابعًا: هل طاعة الزوج مطلقة؟

لا.

طاعة الزوج إنما تكون في المعروف.

من السنة النبوية:

  • صحيح البخاريعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ:
    « إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ » متفق عليه.

    فلو أمر زوجته بمعصية الله فلا يجوز لها طاعته فيها؛ لأن حق الله مقدم على حق الزوج وعلى حق كل مخلوق. وكذلك ليس معنى الحديث أن الزوج يستطيع التحكم في زوجته كيف شاء، أو ظلمها أو إهانتها أو أخذ مالها بغير حق. بل قال الله للرجال:

من القرآن الكريم:

  • النساء: ١٩
    وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ

    فهذا أمر من الله للزوج بحسن معاشرة زوجته.

  • البقرة: ٢٢٨
    وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ

    فالقرآن أثبت أن للزوجة حقوقًا كما أن عليها واجبات.

خامسًا: القوامة لا تعني الاستبداد

من القرآن الكريم:

  • النساء: ٣٤
    الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ

    فالقوامة مسؤولية شرعية تتضمن القيام على الأسرة بالنفقة والرعاية والتوجيه والحفظ، وليست ترخيصًا للرجل في الظلم.

من السنة النبوية:

  • وقد ثبت في صحيح الترمذي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ:
    « خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ وأَنا خيرُكُم لأَهْلي ».

    فمن فهم حق الزوج على أنه إذن له بإهانة زوجته أو ظلمها فقد جمع النصوص بطريقة ناقصة؛ لأن النبي ﷺ الذي عظّم حق الزوج هو نفسه الذي أمر الرجال بالإحسان إلى النساء.

سادسًا: هل الحديث يعني أن الرجل أفضل من المرأة عند الله؟ لا يدل الحديث على ذلك. الحديث في الحقوق الزوجية، وليس في تحديد منزلة كل زوج وزوجة عند الله. فقد تكون المرأة أتقى لله من زوجها وأرفع منزلة عنده.

من القرآن الكريم:

  • الحجرات: ١٣
    إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ

    فالمرأة قد تكون أفضل من زوجها عند الله من جهة التقوى، ومع ذلك يكون للزوج عليها حقوق بسبب عقد الزوجية، كما أن لها عليه حقوقًا.

سابعًا: لماذا جعل الشرع للزوج هذا الحق؟ لأن الأسرة لا تستقيم إذا لم تكن فيها مسؤولية ومرجعية عند الاختلاف. فجعل الله الزوج قوامًا على الأسرة، وفي مقابل هذه القوامة حمّله واجبات عظيمة: النفقة، والسكن، والكسوة، والحماية، وحسن العشرة، والقيام بمصالح الأسرة. فليست المسألة أن الإسلام أعطى الرجل حقوقًا ولم يحمّله واجبات؛ بل أعطى كل طرف حقوقًا وألزمه بواجبات تناسب موقعه في الأسرة. ثامنًا: إذا كان سبب السؤال الخوف من الزواج فلا ينبغي فهم هذا الحديث منفردًا عن بقية نصوص الزواج. الزوج الصالح لا ينبغي أن يدخل الزواج وهو يفكر: كيف أجعل زوجتي تطيعني؟ فقط، وإنما يدخل وهو يستحضر أيضًا قول الله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والمرأة الصالحة لا تنظر إلى طاعة الزوج على أنها إهانة لها، بل هي جزء من النظام الذي شرعه الله للأسرة، ما دام الزوج يأمر بالمعروف ويؤدي حقوقها ولا يظلمها. والنبي ﷺ كان أعظم الناس حقًا على أزواجه، ومع ذلك كان أحسن الناس عشرةً ورحمةً بأهله. النتيجة: حديث: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن...» حديث ثابت في أصل معناه، وقد صححه الشيخ الألباني مع استثنائه جملة القبر في رواية قيس بن سعد. وهو يدل على أمرين أساسيين: الأول: أن السجود لا يجوز لبشر بل هو شرك الأكبر يخرج صاحبه من إلاسلام ولذلك منع النبي ﷺ أصحابه من السجود له. الثاني: بيان عظم حق الزوج على زوجته، ولذلك عليها طاعته في المعروف وأداء حقوقه الزوجية. لكن الحديث لا يعني أن الزوج معبود، ولا أن طاعته مطلقة، ولا أنه أفضل من زوجته عند الله لمجرد كونه رجلًا، ولا أنه يجوز له ظلمها أو إذلالها أو التحكم فيها بغير حق. بل الميزان الكامل هو جمع النصوص: للزوج حق القوامة والطاعة في المعروف، وللزوجة حق النفقة والرحمة وحسن المعاشرة وسائر حقوقها، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فالزواج في الإسلام حقوق وواجبات متبادلة، مع قوامة الزوج ومسؤوليته عن الأسرة، وليس علاقة استعباد أو إذلال.

والله أعلم.

← العودة إلى الأسئلة

فتاوى ذات صلة

حكم الزواج من غير السلفي إذا لم يقع في الشرك

هل يجوز الزواج من شخصٍ ليس سلفيًّا (لديه بعض الانحرافات في العقيدة) ولكنه لا يقع في الشرك، وذلك لأن الزواج المبكر مستحب؟ أم ينبغي الانتظار حتى نجد شخصًا سلفيًّا؟

اقرأ الإجابة كاملة

حكم الاقتراب من الفتاة للزواج بالطريقة الصحيحة

إذا وجدتَ فتاةً ترغب في الزواج منها، فكيف يمكنك الاقتراب منها بطريقةٍ حلال؟ هل يجوز أن تتحدث إليها وتطلب منها أن تعطي رقم هاتفك لوالدها؟

اقرأ الإجابة كاملة

حكم الزواج بالإكراه وضرب الوالدين

أنا فتاة أُجبرت من قِبل والديّ على الزواج من شاب لم أُعطِ موافقتي على الزواج به. وعندما واجهتهم بأنني لا أريد الزواج منه، قاموا بضربي بشدة. اشترك أبي وأمي مع أخويّ الاثنان في ضربي، حيث لكموني وخنقوني حتى ظهرت كدمات في جسدي ونزفت عيناي من شدة الضرب. ثم أخذوني إلى مكان عقد النكاح، وهددوني بأن أقول “نعم” أمام الشيخ الذي كان يعقد النكاح. ومن شدة الخوف قلت “نعم” في تلك اللحظة. ولم أستطع أن أشتكي للحكومة لأنني كنت خائفة أن يزجوا بأبي في السجن أو يطردوه من العمل، ولم أرد أن أجلب له المشاكل. حتى أنني تواصلت مع ذلك الشاب وأخبرته أن موافقتي لم تكن حقيقية. في هذه الحالة، ماذا عليّ أن أفعل؟ وهل يُعتبر هذا الزواج قد وقع شرعًا؟ وهل يُحسب على ذلك الشاب إثم الزنا، لأنه يعلم أن زواجي به لم يكن برضاي، وأن قولي “نعم” كان تحت الخوف فقط؟ أرجو منكم التوجيه والنصيحة.

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز ضرب الزوجة

هل يمكننا ضرب زوجاتنا؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للمرأة أن تسكن وحدها في مدينة آمنة؟

نشأتُ في بيتٍ فيه إساءة ومعاملة سيئة، وقد ترك ذلك أثرًا سلبيًا كبيرًا على صحتي. ومنذ مدة وأنا أخطط للعيش بمفردي، لكنني سمعت آراءً سلبية حول ذلك وتسأل: بوصفي فتاة، ليس لدي أي رغبة في الزواج. فهل يجوز لي أن أختار العيش وحدي في مدينة آمنة؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للمرأة أن تشترط في عقد النكاح ألا يتزوج عليها زوجها بزوجة أخرى؟

من المعلوم أننا لا يجوز لنا أن نكره ما أحله الله، ومن ذلك أن الله تعالى أباح للرجل أن يجمع بين أربع زوجات. وتسأل:هل يجوز أن يُشترط في عقد الزواج ألا يتزوج الزوج بزوجة أخرى؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يُقدِّم الشاب المسلم الزواج أم الدراسة وبناء مستقبله المهني؟

أبلغ من العمر 25 عامًا. أريد أن أكمل دراستي الجامعية وأبني مسيرتي المهنية، وفي الوقت نفسه أشعر بالرغبة الجنسية. أريد أن أعرف: أيهما أولى في الإسلام بالنسبة لحالتي: الزواج أولًا أم بناء مستقبلي الدراسي والمهني أولًا؟ وما هو توجيه الشريعة الإسلامية في مثل وضعي؟

اقرأ الإجابة كاملة

هل يجوز للزوجة أن تطلب الطلاق إذا أراد زوجها أن يأخذ قرضًا ربويًا؟

إذا أراد الزوج شراء شاحنة عن طريق قرض ربوي، فهل يجوز للزوجة أن تطلب الطلاق؟ فهي تخشى أن تؤثر أفعاله سلبًا على أبنائهما، لأن الربا سببٌ للضرر والشر.

اقرأ الإجابة كاملة

ماذا تفعل المرأة إذا كان والدها يؤخر زواجها ظلمًا ويرفض الخطّاب الصالحين؟

أنا امرأة و والدي يؤخر زواجي ويرفض الخطّاب الذين يتمتعون بالدين والخلق. يقول لي إن عليّ أن أنهي تعليمي أولًا، وإنه لا يمكنني الزواج إلا في مرحلة متأخرة من حياتي. وعندما أحاول التحدث معه، فإنه غالبًا ما يغضب بشدة ويصبح شديد الارتياب، ويزداد ذلك بسبب تعاطيه مادة تُعرف بأنها تسبب الارتياب. ولهذا السبب، لا يأخذ أيًّا مما أقوله بعين الاعتبار، لذلك غالبًا ما ألتزم الصمت. ماذا ينبغي أن أفعل؟

اقرأ الإجابة كاملة

ما الذي ينبغي للمرأة المسلمة أن تبحث عنه في الزوج المحتمل؟

ما المعايير التي ينبغي للمرأة المسلمة أن تعتمد عليها عند البحث عن زوج؟ وما الأسئلة التي ينبغي لها أن تسألها للخاطب، وما الإجابات والصفات التي ينبغي لها أن تبحث عنها فيه؟

اقرأ الإجابة كاملة